ممتاز سليمان - خاص الأفضل نيوز.
لعلها من المفارقات العجيبة الغريبة أن يعتاد بلد ما على التعطيل والفراغ ويستمر سياسيوه في حياتهم الطبيعية وكأنَّ شيئا لم يكن.
فبعد مرور بضع سنوات على الانهيار الاقتصادي الشامل لم تبدأ بعد أي محاولة للإنقاذ أو لوضع الخطط من أجل الحدِّ من الخسائر التي تستنزف البلد اكثر فأكثر.
فالمؤسسة الدستورية الأولى ما زالت تعاني من الفراغ القاتل ولم تفلح كافة المبادرات والمحاولات في وضع حدٍّ له وإنهائه بانتخاب رئيس للجمهورية بعد تصرم ما يقارب التسعة أشهر على شغور سدة الرئاسة، التي بدونها لا يستقيم العمل الدستوري والمؤسسي في البلاد.
وإنَ تصريف الأعمال من قبل الحكومة المستقيلة أساسا لن يتمكن من سدِّ الفراغات أو تلبية احتياجات الناس ومعيشتها اليومية سيما في ظل مقاطعة الكتلتين المسيحيتين الكبريين لتلك الجلسات باعتبار أنَّ عقدها بشكل اعتيادي يمهد للقول باستقامة الحياة الدستورية وان في ظل غياب رئيس ، ما يجعل من العمل الحكومي أعرجَ وأبترَ وغير ملبٍّ لاحتياجات الناس الأساسية.
ويشي القادم من الأيام في أن لا تغيير قريب على الصعيد الرئاسي بعد تمترس كل فريق خلف مرشحه وعودة لودريان إلى بلاده بعدما لمس استعصاء في إمكانية الوصول إلى حل، ناهيك عن دخول عطلة الصيف التي ترخي بظلالها وتجعل الوضع أكثر استرخاء وبلادة.
في ظل هذا الظلام الدامس ثمة بصيص نور استمر ويستمر في إنارة الدرب، وهو كان العمود الفقري وطوق النجاة الذي ما زال يقي من الغرق.
إنهم ببساطة المغتربون وتحويلاتهم المالية أولا ومن ثم عودتهم المتفجرة خلال الصيف الجاري التي فاقت كل التوقعات والأرقام، بحيث لم تشهد البلاد حركة مغتربين بهذا الحجم منذ أكثر من عقد، إذ تشير أرقام مطار بيروت وحجوزات الفنادق ومكاتب السياحة والسفر إلى أننا في خضم موسم سياحي هائل يتمثل في تدفق جحافل من المغتربين تحديدًا والسياح عموما، حيث تشير الأرقام إلى أكثر من مليوني مغترب وسائح سيزورن لبنان هذا الصيف لتفقد أهاليهم وقراهم والترويح عن أنفسهم جراء الهجرة القسرية التي فرضت على غالبيتهم.
هذه الجيوش من المغتربين تدخل البلاد محملة بالعملات الصعبة التي نضبت من خزائن الدولة والمصارف بعد سطو الطرفين على أموال المودعين وتبديدها في عملية احتيالية لم يشهدها التاريخ، فلم يكفهم سرقة المال العام ليعمدوا إلى التصرف وعلى سنوات بالودائع الخاصة بمزيد من الهدر والتبديد.
إذا مئات الآلاف من العائدين أغرقوا السوق اللبنانية الصغيرة بالعملات الصعبة كما أشرنا والتي لبنان بأمس الحاجة إليها فأضحى المعروض منها يوازي أو حتى يفوق المطلوب، ما خلق حالة من التوازن المالي والاستقرار النسبي في سعر الصرف الذي بدأ يتجه نزولا، فيما الحركة السياحية على أشدها سيما خلال عطلة عيد الأضحى التي شهدت اشتعالًا تامًّا في المطاعم والفنادق والحفلات الفنية والمهرجانات وعلى رأسها مهرجان بعلبك الذي له رمزية خاصة ويعتبر درة تاج السياحة اللبنانية.
كل هذا تزامن مع العنصر الأهم وهو الاستقرار الأمني التام الناتج عن اتفاق غير معلن بين مختلف المكونات على وجوب تمرير هذا الموسم السياحي مع صفر حوادث أمنية، عله يكون مقدمة إلى عودة البلاد تدريجيًّا إلى سكتها الصحيحة لتبدأ محاولات الإنقاد بعد استلهام الطبقة السياسية لقدرة وعزيمة هذا الشعب الذي يأبى الموت والذوبان وينهض بعد كل كبوة كالعنقاء من تحت الرماد... فهل يواكب النظام السياسي ولو مرة هذا الشعب الجبار ويكون على قدر الطموحات والآمال..؟!


