كريستال النوّار - خاص "الأفضل نيوز"
في قلب البقاع، تواجه بحيرة القرعون واحدة من أخطر الأزمات البيئية والمائية. فالمسطّح الذي يُعدّ أكبر خزان مائي في البلاد بسعة تصل إلى نحو 220 مليون متر مكعب، لم يعد يواجه مشكلة تلوّث عابرة يمكن احتواؤها بإجراءاتٍ محدودة، بل بات أمام مسارٍ متسارع من التدهور يهدّد دوره البيئي ويضع مستقبله على المحك.
بين تراجع المخزون المائي والتلوّث بالصرف الصحي والصناعي وانتشار "السيانوبكتيريا" السامة وتراجع التنوّع البيولوجي، وصولاً إلى المخاطر التي فرضتها الحرب والقصف الإسرائيلي على محيط السد، تبدو بحيرة القرعون اليوم وكأنها تدفع ثمن سنواتٍ طويلة من الإهمال وسوء الإدارة، فيما تتداخل العوامل البيئية والبشرية والعسكرية لتجعل الخطر أكثر تعقيداً.
في هذا الإطار، يصف الخبير الدولي في البيئة والمياه البروفسور جلال حلواني، بحيرة القرعون بأنها "النموذج الأساس للأزمة"، مؤكداً في حديث لموقع "الأفضل نيوز"، أنّ ما تشهده لم يعد مجرد تلوّث في بحيرة بل "أصبح انهياراً لنظام بيئي مهدّد وجودياً".
أرقامٌ ترسم صورة الانهيار
بلغ تدهور بحيرة القرعون مستوى غير مسبوق، وفق حلواني، بعدما اجتمعت فيها أزمات عدّة في الوقت نفسه: تلوّث سام، انهيار هيدرولوجي، فقدان للتنوّع البيولوجي، فضلاً عن تعرّضها لخطر الاستهداف العسكري المباشر.
وتشير المعطيات التي يستند إليها الخبير، إلى أن مخزون البحيرة تراجع بنحو 29 في المئة خلال عام واحد، بين 2025 و2026، من نحو 59 مليون متر مكعب إلى 41.8 مليون متر مكعب. أما على المدى الطويل فتبدو الصورة أكثر قتامة، إذ انخفض حجم المياه من 174 مليون متر مكعب عام 2003 إلى نحو 106 ملايين متر مكعب عام 2025.
لم يقتصر التدهور على كمية المياه، إذ ارتفع مؤشر التلوث الطحلبي والعضوي، من 0.0028 عام 2000 إلى أكثر من 1.0 عام 2025، وهو مستوى يصنف علمياً ضمن نطاق التلوث الشديد، كما يقول حلواني. ويعني ذلك، أنّ البحيرة لم تعد مجرد خزان مائي ملوّث، "بل تحولت إلى بيئة مائية مختنقة، مع مؤشرات متصاعدة على التدهور البيئي".
64 بلدة... والصرف الصحي في قلب الأزمة
يؤكّد حلواني أنّ مسؤولية الإنسان في تدهور بحيرة القرعون "هائلة ومباشرة"، وتشكّل أكثر من 80 في المئة من أسباب الانهيار البيئي، مشدداً على أنّ الأزمة ليست نتيجة عوامل طبيعية فقط، بل نتيجة سلوك بشري ممنهج تراكم على مدى سنوات.
ويضع الصرف الصحي في مقدّمة الأسباب، إذ يشير إلى أن أكثر من 64 بلدة في البقاع تضخ مياه الصرف الصحي مباشرة في مجرى نهر الليطاني وصولاً إلى البحيرة. وتزداد المشكلة خطورة مع توقف محطات المعالجة الأساسية، ومنها محطتا المرج وتمنين، أو عملها بصورة جزئية، ما يعني غياب المعالجة الفعلية لكميات كبيرة من المياه الملوّثة.
والنتيجة، وفق ما يقول الخبير حلواني، "تراكم هائل للمواد العضوية والبكتيريا والملوثات التي تغذي الطحالب السامة". ويقول إن هذا التلوّث "ليس حادثاً طبيعياً، بل نتيجة قرار بشري بعدم معالجة المياه".
ولا تتوقّف المشكلة عند الصرف الصحي، فإدارة النفايات تشكل بدورها أحد مصادر الخطر. إذ إن مواقع تجميع النفايات الصلبة تحوّلت في حالات عدة إلى مكبات مفتوحة تنتج عصارة شديدة السمية، يمكن أن تتسرب إلى مجرى الليطاني ومنه إلى بحيرة القرعون، حاملةً معها البلاستيك والمعادن الثقيلة والمركبات العضوية، يُضيف حلواني.
أما القطاع الزراعي، فلا يبدو بعيداً عن دائرة المسؤولية. فالأسمدة الغنية بالفوسفات والنترات والمبيدات التي تحملها مياه الري والجريان السطحي إلى مجرى الليطاني، تساهم في خلق بيئة مثالية لنمو السيانوبكتيريا والطحالب السامة. وهنا، لا يعود الأمر متعلقاً بتلوّث المياه فحسب، بل بسلسلة بيئية كاملة تبدأ من المواد الكيميائية وتنتهي بنفوق الأسماك واختناق المياه وانهيار السلسلة الغذائية.
"السيانوبكتيريا"... خطرٌ لا يُرى بالعين المجرّدة
من أبرز مظاهر الأزمة، كما يكشف حلواني، "الانتشار الواسع للسيانوبكتيريا السامة، التي تجد في المياه الغنية بالمغذيات الناتجة عن الصرف الصحي والأسمدة الزراعية بيئة مناسبة للنمو". وقد أدى ذلك إلى نفوق جماعي للأسماك وتراجع حاد في التنوّع البيولوجي، مع اختفاء شبه كامل للأنواع السمكية الأصلية التي كانت تشكّل جزءاً من النظام البيئي للبحيرة.
ولم تسلم الطيور المائية من تداعيات هذا الانهيار، إذ تراجعت أعداد الطيور التي كانت تعتمد على القرعون كمحطة موسمية، فيما تحوّل قاع البحيرة تدريجياً إلى طبقة طينيّة ملوّثة بالمعادن الثقيلة والمركبات العضوية. وبذلك، فإن التلوّث لم يعد محصوراً في سطح المياه، بل أصبح متراكماً في مكوّنات النظام البيئي نفسه.
الخطر لا يأتي من المياه وحدها
في الوقت الذي تواجه فيه القرعون أزمة بيئية متفاقمة، يبرز عامل جديد أكثر خطورة: الحرب. فبحسب حلواني، باتت البحيرة اليوم مهددة أيضاً نتيجة الاستهداف العسكري الإسرائيلي الذي طال محيط السد، في ظل تعرُّض سد القرعون لـ 6 غارات إسرائيلية في يوم واحد خلال أيار الماضي.
ويحذّر الخبير من أنّ أي ضرر كبير في السد قد تكون له تداعيات كارثية، مشيراً إلى أن حدوث فجوة فيه يمكن أن يؤدي إلى إطلاق موجة مائية ضخمة تجتاح مناطق واسعة، من البقاع الغربي وصولاً إلى صور.
بذلك، أصبحت القرعون أمام معادلة شديدة الخطورة: خزان مائي يتراجع مخزونه ونظام بيئي يعاني من التلوث والانهيار ومنشأة مائية استراتيجية تواجه في الوقت نفسه تهديداً عسكرياً مباشراً.

