غدير عدنان نصر الدين - خاصّ الأفضل نيوز
من قال إنَّ جيل الشباب اليوم يجب بالضرورة أن يشبه الجيل الذي سبقه؟
ومن ادّعى أنه عاش الظروف عينها التي عاشها آباؤه؟
فمِمّا لا شك فيه أن ظروفه أشدّ قسوةً وأكثر تعقيداً.
هو جيلٌ تعلّم أن الخطط قد تنهار في لحظة، وأن الاستقرار لم يعد مضموناً أو حتى مفهوماً، وباتت كلمة "بكرا" تحمل وزناً من القلق ولا أمل فيها.
مما لا شكّ فيه، أن كل هذه الأحداث المأساوية والتجارب القاسية التي مرّ بها جيل اليوم في السبع سنوات الأخيرة، تركت أثراً عميقاً في صحته النفسية، وسلوكه، وعلاقته مع ذاته والآخرين.
ويبقى السؤال: ماذا فعلت هذه السنوات بشخصية هذا الجيل؟
وكيف غيّرت نظرتَه إلى المستقبل وعلاقاته مع من حوله؟
جيل "مُعلّق": ليلى العلي تشرك التحولات النفسية لجيل اليوم
في حديثٍ للأفضل نيوز، أكدت المعالجة النفسية ليلى العلي، أنه منذ سنة ٢٠٢٠ لليوم، الشباب في لبنان لم يعيشوا مجموعة أزمات منفصلة؛ بل عاشوا حياة كاملة داخل الأزمة.
فكلما حاولوا التأقلم مع ظروف الحياة، باغتهم الواقع بتغيُّرٍ جديد، بدءاً من الانهيار الاقتصادي والمصرفي، وصولاً إلى الحرب والخوف والنزوح... مؤكِّدةً أن الشباب ليس مجرد فئة عمرية، بل هو مرحلة دقيقة ومفصلية في حياة الإنسان، مرحلةٌ يُفترض أن يسأل فيها الشاب: "من أنا؟ ماذا أريد؟ وأي مستقبل أرغب في بنائه؟". لكنّ الشاب في لبنان، وبدلاً من أن ينشغل باكتشاف ذاته، وجد نفسه مضطراً لاكتشاف طرقٍ للنجاة.
كما شرحت العلي أنّ المشكلة لا تكمن فقط في أنّ أحلام هذا الجيل قد تأخرت أو تغيّرت، بل أن علاقته بمفهوم الحلم نفسه قد تبدّلت، إذ أصبح يخشى التعلّق بأي خطة، بعدما علّمته التجربة أنّ كل شيء قابلٌ للاختفاء في لحظة، مُعتبرةً أن هذا الجيل ليس ضعيفاً ولا ضائعاً، بل هو جيل معلّق، لأنه يفتقد إلى الأرض الصلبة التي تمكّنه من الوقوف والانطلاق، حيث أنه أُجبر على النضج المبتسر في مواقف كثيرة، بينما حُرم في الوقت ذاته من حقّه الطبيعي في النموّ بهدوء وتدرّج، كما انعكست هذه الأزمات على علاقته بذاته، فعندما يعجز الشاب عن تحقيق ما كان يرى نفسه قادراً عليه، يتسلل إليه جلد الذات وشعورٌ بالفشل، لكن الحقيقة أن الظروف لم تمنحه المساحة الطبيعية ليجرّب ويحاول.
أمّا في ما يخص علاقته مع الآخرين، أوضحت العلي أنها باتت أكثر تعقيداً، إذ أن الضغط المستمر يتسرب إلى داخل البيوت والعلاقات، فيفاقم الخلافات، ويخلق فجوةً بين الأهل وأبنائهم. كما أنه يجعل الشاب أكثر حذراً وتردداً في الحب والصداقة وحتى في الالتزام، بعدما علّمته الأيام أن لا شيء يدوم.
لهذا، عندما ننظر إلى شباب لبنان اليوم، لا يكفي أن نسأل: لماذا تغيّروا؟ لماذا لا يخططون؟ لماذا يريدون الهجرة؟ بل السؤال الأكثر عدلاً هو: ماذا كان عليهم أن يحملوا خلال السنوات الماضية، وفي أي عمر حملوه؟
في المحصلة، إن جيل الشباب اليوم بات يدفع ثمن أشياء لا علاقة له بها…فـ "هل تلك الأزمات المتكررة جعلته أكثر صلابة وقدرة على التكيّف، أم أكثر قلقاً، انعزالاً وفقداناً للثقة بما هو آتٍ؟"
ببساطة، هذا الجيل لا تنقصه الأحلام. ربما ما ينقصه هو الشعور بأن هناك مكاناً آمناً لأحلامه.

