د. علي دربج ــ خاص الأفضل نيوز
في نيسان 2023، ربط باحثون في جامعة كارنيغي ميلون نظام ذكاء اصطناعي بمختبر افتراضي، ثم أعطوه أمرًا من كلمتين فقط: "صنّع الإيبوبروفين" (وهو مسكّن للألم). وخلال لحظات، حدّد النظام تركيبة المسكّن والخطوات التي ينبغي لأجهزة المختبر تنفيذها لإنتاجه. حينها، بدت التجربة إنجازًا علميًا مذهلًا، لكن ما إن غيّر الباحثون السؤال حتى ظهرت المفاجأة المرعبة: الأداة التي عرفت كيف تصنع الدواء، كانت تعرف أيضًا كيف تقود إلى صناعة الموت.
بدأ بمسكّن... وكاد ينتهي بوصفة للسارين
عمليًا، ظهرت المفاجأة الأخطر عندما لم يتردّد الذكاء الاصطناعي في إعداد تعليمات لإنتاج سلاح كيميائي يعود إلى الحرب العالمية الأولى. والأخطر أنه وافق على شرح كيفية تصنيع عقار يُستخدم في الاعتداءات الجنسية. بل كاد يقدّم وصفة لصناعة غاز السارين شديد الفتك، قبل أن يتراجع بعدما بحث عن التاريخ الدموي لهذا المركّب.
لكن مهلًا، فآلية الحماية التي أوقفت النظام لم تكن سوى حاجز هشّ. إذ اكتشف الباحثون أن تغيير المصطلحات المستخدمة قد يكون كافيًا للتحايل عليها. وبمعنى أكثر وضوحًا، لم تكن الحماية جدارًا يصعب اختراقه، بل بابًا يمكن فتحه بتبديل الكلمات.
حكاية الجدّة التي كسرت حاجز الحماية
ضع في اعتبارك أن قابلية ضوابط الحماية للتحايل لم تبقَ مجرد افتراض نظري، بل أثبتها مستخدم في تجربة صادمة. ففي نيسان/أبريل 2023 أيضًا، تحايل مستخدم على «تشات جي بي تي» للحصول على تعليمات مفصّلة لصناعة قنابل النابالم. وبدلًا من أن يطلب الوصفة مباشرة، طلب من النظام تقمّص شخصية جدّته التي كانت تروي له قبل النوم حكايات عن كيفية صنع النابالم، فاستجاب النموذج وقدّم المعلومات التي كان يُفترض أن يحظرها.
الصادم في الأمر أن تجربة أخرى سبقت ذلك بعام واحد فقط. ففي عام 2022، طلب باحثون من خوارزمية مخصّصة أساسًا لاكتشاف الأدوية أن تعمل في الاتجاه المعاكس. وخلال ست ساعات فقط، ابتكرت 40 ألف مادة كيميائية سامة، بينها مركّبات لم تكن معروفة سابقًا، وتوقّعت أن يكون بعضها أشدّ سمّية من أي سلاح كيميائي عرفه العالم.
من شاشة الحاسوب إلى مسبّب مرض بلا اسم
في الواقع، لا تقتصر المخاطر على قصة الكيمياء أعلاه، فأي نموذجٍ مدرّب على قواعد بيانات بيولوجية ضخمة قد يساعد مستخدمًا محدود الخبرة على تصميم مسبّب مرض اصطناعي يجمع بين سرعة الانتشار وشدّة الفتك. بعدها، يمكن إرسال التعليمات رقميًا إلى مختبر سحابي يعمل بعقود تجارية، ليتولى تصنيع العامل المرضي واختباره، قبل نقله إلى منشأة إنتاج حيوي لتصنيعه بكميات كبيرة.
وهنا تكمن النقلة الأخطر: قد تُنفّذ سلسلة إنتاج السلاح كاملة من دون أن يمتلك المهاجم مختبرًا، أو يلمس مادة خطرة، أو يكشف هويته.
"كريسبر"... والعبث بجينات البشر والحيوانات
على المقلب الآخر، هناك تقنية "كريسبر" (وهي تتيح للعلماء تعديل جينات البشر والحيوانات والنباتات)، وهي تحمل وجهين متناقضين: صحيح أنها تستطيع القضاء على أمراض وراثية، عبر حذف جزء محدّد من الحمض النووي أو إصلاحه أو استبداله بجزء آخر ـــــ وبذلك، يمكن استخدامها لعلاج الأمراض الوراثية ـــــ لكنها قد تُستغل أيضًا لإحداث تغييرات جينية خطرة أو العبث بالصفات التي تنتقل إلى الأجيال المقبلة.
المرحلة الأخطر: آلة تبحث عن المال والقوة والنسخ
إضافة إلى ما تقدّم، يستطيع الذكاء الاصطناعي كتابة برمجيات خبيثة تفلت من أنظمة الحماية، واختراق بنى تحتية حيوية، وإنتاج حملات تضليل بملايين النصوص والصور والأصوات المزيّفة. غير أن الأكثر إثارة للقلق هو أن الباحثين يختبرون حاليًا قدرة بعض النماذج على كسب المال عبر الإنترنت، والاستحواذ على موارد حوسبة، وإنشاء نسخ من نفسها، وتنفيذ ذلك مع تفادي اكتشافها.
في المحصّلة:
لا تكمن الكارثة في أن الذكاء الاصطناعي اخترع الشر، بل في أنه قد يختصر سنوات من الخبرة العلمية إلى سؤال واحد، ويحوّل أخطر القدرات التي كانت تحتكرها الدول إلى خدمة متاحة لأي شخص. لقد طلب الباحثون مسكّنًا، فاكتشفوا آلة لا تعرف فقط كيف تزيل الألم، بل كيف تصنعه على نطاق لم يعرفه العالم من قبل!

