هنادي عيسى- خاصّ الأفضلِ نيوز
تحمل ميادة الحناوي في ذاكرتها علاقتين متداخلتين لا يمكن فصل إحداهما عن الأخرى؛ سوريا التي تنتمي إليها نشأةً وجذورًا، ومصر التي احتضنت تجربتها الفنية وفتحت أمام صوتها مساحة واسعة للانتشار والتألق، وبين البلدين تشكلت رحلة فنية طويلة جعلت من اسمها واحدًا من الأسماء البارزة في تاريخ الغناء العربي.
وفي حديثها للأفضل نيوز تقول الحناوي عن هذه العلاقة وعن الحقبة الفنية التي عاصرتها :
عن مصر، لا تتعامل معها باعتبارها مجرد محطة مهنية في مسيرتها، بل تستعيد مكانتها الخاصة في قلبها وفي تكوينها الفني. فالقاهرة بالنسبة إليها ارتبطت بمرحلة مهمة من حياتها، وبالجمهور الذي منح صوتها محبة استمرت سنوات طويلة، كما ارتبطت بأسماء كبيرة كان لها أثر واضح في تجربتها.
وتعود ميادة بذاكرتها إلى زمن كانت فيه الأغنية العربية تُصنع وسط أسماء كبيرة من الملحنين والشعراء والموسيقيين - زمن ترى أنه ترك إرثًا يصعب تكراره، ليس فقط بسبب الأسماء التي صنعت تلك المرحلة، وإنما بسبب طبيعة العمل الفني نفسه، حين كان يجتمع اللحن والكلمة والصوت لصناعة أغنية قادرة على البقاء.
وفي مقدمة الذكريات التي تستعيدها ميادة تأتي علاقتها بالراحل بليغ حمدي، الاسم الذي ارتبط بجانب أساسي من مسيرتها؛ فبليغ لم يكن بالنسبة إليها مجرد ملحِّن قدم لها عددًا من الأغنيات، وإنما أحد الأشخاص الذين تركوا أثرًا عميقًا في تجربتها وفي صورتها الفنية.
وتبدو علاقتها بألحان بليغ مرتبطة بمرحلة كاملة من حياتها، مرحلة كان فيها الفنان يعمل مع الملحن والشاعر باعتبارهم شركاء في صناعة العمل، وليس مجرد عناصر منفصلين. ولهذا بقيت تلك الأغنيات حاضرة، حتى بعد مرور سنوات طويلة على تقديمها.
كما تستعيد ميادة حضور محمد عبد الوهاب في ذاكرتها الفنية، بوصفه أحد رموز الموسيقى العربية الذين تركوا أثرًا لا يمكن تجاوزه؛ فالاقتراب من هؤلاء العمالقة كان يعني بالنسبة إلى الفنان الشاب الدخول إلى مدرسة فنية مختلفة، قائمة على المعرفة والخبرة والانضباط والبحث الدائم عن الأفضل.
ومن هنا تنظر ميادة إلى ما يُعرف بـ«الزمن الجميل» باعتباره أكثر من مجرد حنين إلى الماضي. إنها ترى أن هناك منظومة فنية كاملة كانت موجودة في تلك الفترة، وأن قيمة الأغنية لم تكن مرتبطة بالصوت وحده، بل بما يحيط به من شعر وموسيقى وتوزيع وأداء.
وعندما تنتقل إلى الحديث عن الساحة الغنائية الحالية، تبدو حريصة على النظر إلى التغيرات التي طرأت على الموسيقى من دون أن تتجاهل التطور الذي يفرضه الزمن. لكنها في الوقت نفسه تتمسك بفكرة أساسية، وهي ألا يفقد الفن العربي هويته وسط التغير السريع في الأشكال والأساليب.
فالتطور بالنسبة إليها لا يعني التخلي عن الجذور، ولا يعني أن تصبح الأغنية مجرد منتج سريع يمر ثم يختفي، وتبقى قيمة الصوت والكلمة واللحن، في رؤيتها، عناصر أساسية مهما تبدلت الوسائل والأذواق.
وتتوقف ميادة كذلك عند العلاقة التي تجمع الفنان بجمهوره، وهي علاقة ترى أنها لا تُبنى بأغنية واحدة أو نجاح عابر، الجمهور الذي رافقها طوال سنوات تحول إلى جزء من ذاكرتها، وأصبح استمرار الأغنيات في الوجدان دليلًا على أن بعض الأعمال تستطيع تجاوز زمنها والوصول إلى أجيال لم تعش اللحظة التي ولدت فيها.
ورغم مرور السنوات، لا تبدو ميادة راغبة في التعامل مع الماضي باعتباره صفحة مغلقة؛ فهي تعود إليه من موقع الفنانة التي عاشت تجارب كثيرة، لكنها ما زالت ترى في الأغنية مساحة مفتوحة للتجدد، وفي الفن قدرة على الاحتفاظ بالذاكرة وربط الماضي بالحاضر.
وفي حديثها، يظهر أيضًا تقدير واضح للمرحلة التي صنعت اسمها، وللفنانين الذين التقت بهم خلال رحلتها، أسماء كبيرة لم تكن مجرد شركاء في أعمال ناجحة، بل جزء من مرحلة كاملة ساهمت في تشكيل ذائقتها ورؤيتها لما يجب أن تكون عليه الأغنية العربية.
أما علاقتها بسوريا، فتبقى حاضرة باعتبارها نقطة البداية والجذور، وإذا كانت مصر قد احتضنت صوتها ومنحت تجربتها مجالًا واسعًا، فإن سوريا تبقى المكان الذي تنتمي إليه بداياتها وذكرياتها الأولى، ولذلك لا ترى ميادة تناقضًا بين الانتماء إلى بلد وارتباط فني عميق ببلد آخر؛ فالتجربة العربية بالنسبة إليها أوسع من الحدود.
وفي النهاية، تبدو ميادة الحناوي متمسكة بالصوت الذي عرفه الجمهور منذ عقود، وبالذاكرة الموسيقية التي صنعت جزءًا من تاريخ الأغنية العربية، وبين الماضي الذي تستعيده بحنين واضح، والحاضر الذي تراقبه بعين الفنانة، تظل القضية الأهم بالنسبة إليها هي أن تبقى للفن العربي هويته، وأن تظل الأغنية قادرة على الوصول إلى الناس، لا باعتبارها منتجًا عابرًا، وإنما باعتبارها جزءًا من ذاكرتهم وحياتهم.

