د. علي دربج ــ كاتب واستاذ جامعي- خاصّ الأفضل نيوز
لم يعد السؤال داخل الجامعات الأميركية: هل كتب الطالب هذا البحث أم كتبه ChatGPT؟ فهذه أصبحت، على ما يبدو، المشكلة الصغرى. السؤال الأخطر هو: ماذا لو تخرّج الطالب بشهادة مرموقة وأبحاث ممتازة، لكنه لا يستطيع من دون الذكاء الاصطناعي تفسير ما كتب أو بناء حجة أو اكتشاف خطأ؟
هنا تحديداً بدأت الجامعات تكتشف أن الذكاء الاصطناعي لا يهدد الامتحان فقط، بل قد يضرب المعنى نفسه الذي قامت عليه الشهادة الجامعية.
اسحبوا ChatGPT... ماذا يبقى؟
في الواقع، بدأت جامعات أميركية تعيد أدوات ظن كثيرون أنها انتهت: الورقة والقلم، الامتحانات المراقبة، الاختبارات الشفهية ودفاتر الـBlue Books. . والأكثر أهمية، أن كلية الحقوق في جامعة شيكاغو ستختبر هذا الخريف حظراً عاماً، مع استثناءات محدودة، على الأجهزة الإلكترونية في مقررات السنة الأولى.
لكن مهلاً، ليست المسألة حرباً على التكنولوجيا. الهدف أكثر حساسية: معرفة ما يستطيع الطالب فعله وحده.
فالمقال الممتاز كان يعني، ولو بصورة غير كاملة، أن صاحبه قرأ وفكر وراجع. لكن اليوم يستطيع الذكاء الاصطناعي إنتاج النتيجة نفسها خلال لحظات، فيما قد يكون الطالب تجاوز الجزء الأهم: التفكير نفسه.
واللافت أن تجربة على 120 طالباً في إحدى جامعات الولايات المتحدة، أظهرت أن من استخدموا ChatGPT بحرية أثناء الدراسة، سجلوا نتائج أدنى في اختبار للاحتفاظ بالمعلومات بعد 45 يوماً مقارنة بمن درسوا تقليدياً. بالمقابل، أظهرت تجربة أخرى في الفيزياء أن معلماً مصمماً بالذكاء الاصطناعي حقق مكاسب تعليمية فورية أكبر.
من هنا، المشكلة ليست في الأداة نفسها، بل في متى نستخدمها: أن تساعد الطالب بعد أن يفكر شيء، وأن تفكر بدلاً منه شيء آخر تماماً.
دارتموث تقلب المعادلة
ضع في اعتبارك، أن بعض الجامعات لا تريد منع الذكاء الاصطناعي، بل اختبار قدرة الطالب على مواجهته. ففي كلية دارتموث، إحدى جامعات رابطة اللبلاب (مجموعة تضم ثماني جامعات أميركية خاصة وعريقة جداً، من بينها هارفارد وييل)، حيث صيغ مصطلح "الذكاء الاصطناعي" قبل 70 عاماً، يكتب الطلاب ملخصاتهم أولاً، ثم يقارنونها بما تنتجه الآلة، ويكشفون أخطاءها ويدافعون شفهياً عن أحكامهم.
أكثر من ذلك، تقترح المقاربة الجديدة الفصل بين نوعين من المهارات: ما يستطيع الطالب إنجازه وحده، وما يستطيع إنجازه بمساعدة AI.
الخطر الحقيقي يبدأ بعد التخرج
في الحقيقة، تبدأ المفاجأة الكبرى في سوق العمل. فالمحامي المبتدئ يتعلم من مراجعة العقود، والباحث من فحص البيانات، والمحلل من كشف التناقضات. وهذه تحديداً هي المهام التي يستطيع الذكاء الاصطناعي تنفيذها بسهولة.
وهنا تكمن المفارقة: قد تربح الشركات الوقت اليوم، لكنها قد تلغي السلم الذي يصنع خبير الغد. وعليه، وفي حال تولت الآلة المهام التي كان المبتدئ يتعلم من خلالها، فمن أين سيأتي المحامي والباحث والمحلل الخبير بعد عشر سنوات؟
في المحصلة:
لا تواجه الجامعات أزمة غش فقط، بل أزمة معنى. فحين يصبح إنتاج النص الممتاز متاحاً بضغطة زر، لن تعود قيمة الشهادة في ما يستطيع الطالب تسليمه، بل في ما يستطيع فهمه وشرحه والدفاع عنه من دون الآلة.هذه المرة، الطالب ليس وحده في الامتحان... الشهادة نفسها دخلت القاعة.

