طارق ترشيشي -خاصّ الأفضل نيوز
فيما تتقاطع التقديرات السياسية والعسكرية، يدخل لبنان والمنطقة بكاملها مرحلة حرجة تمتد حتى موعدين مصيريين: انتخابات الكنيست الإسرائيلي في 27 تشرين الأول والانتخابات النصفية الأمريكية في 3 تشرين الثاني. وبين هذين الموعدين، تتشابك الحسابات الداخلية لكل من إسرائيل والولايات المتحدة وإيران مع الملف اللبناني، فيما يبقى لبنان نفسه رهينة لتطورات لا يملك حيالها سوى خيارات محدودة. فما هو شكل لبنان والمنطقة خلال هذه المهلة؟ وما السيناريوهات المطروحة على ضوء المواجهة المفتوحة بين واشنطن وطهران؟
إسرائيل
بالنسبة إلى إسرائيل فإنها دخلت رسمياً مرحلة العد التنازلي للانتخابات مع انتهاء الدورة الصيفية للكنيست في 17 تموز الماضي؛ فهذه الانتخابات هي الأولى منذ عملية "طوفان الأقصى"، ويواجه معها رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو حسابات معقدة حيث إن استطلاعات الرأي تشير إلى أن 61% من الإسرائيليين يعتقدون أنه لا ينبغي له الترشح، فيما يواجه تحديات داخلية من حزبه الليكود وظهور بدائل مثل نفتالي بينيت.
وفي هذا السياق، يبدو أن التصعيد الإسرائيلي في جنوب لبنان ليس مجرد رد فعل ميداني، بل ورقة انتخابية بامتياز؛ فنتنياهو، الذي يبحث عن إنجاز أمني يرفع شعبيته، قد يذهب إلى تصعيد عسكري في لبنان ليكون ذريعة لتأجيل الانتخابات أو لكسب أصوات اليمين المتشدد.
واللافت أن التصعيد الإسرائيلي يتركز خصوصا على منطقة النبطية وتلة علي الطاهر في محاولة لترسيخ أمر واقع ميداني قبل أن يحين موعد الاقتراع.
وتشهد تلة علي الطاهر، المرتفعة أكثر من 670 متراً عن سطح البحر، تصعيداً متواصلاً يشمل غارات جوية وقصفاً مدفعياً يومياً، ويعلن الجيش الإسرائيلي السيطرة كلياً على التلة، بينما ينفي حزب الله ذلك مؤكداً أن مقاتليه ما زالوا موجودين فيها، وهذا التناقض في الرواية يعكس معركة إسرائيلية مزدوجة: عسكرية على الأرض تهدف إلى تأمين موقع استراتيجي يمنح السيطرة النارية على مساحات واسعة من الجنوب، وسياسية إعلامية تهدف إلى إظهار إنجاز قبل الانتخابات، ويبدو أن نتنياهو يسابق الزمن لإحكام السيطرة على هذه التلة الاستراتيجية، في محاولة لتقديم نفسه "حامي إسرائيل" في مواجهة حزب الله.
الولايات المتحدة
أما بالنسبة للولايات المتحدة، فإن الانتخابات النصفية في 3 تشرين الثاني تشكل منعطفاً حاسماً؛ فوفقاً لتقديرات إسرائيلية، فإن الحفاظ على موقع قوي في لبنان حتى تشرين الثاني يُعد أمراً بالغ الأهمية، لأنه بعد الانتخابات النصفية قد تتوافر ظروف مناسبة للتحرك مجدداً ضد إيران.
وترى القيادات الإسرائيلية أن هذه هي نافذة الفرصة التي تعتمد عليها، بناءً على افتراض أن مفاوضات واشنطن وطهران لن تفضي إلى اتفاق دائم قبل ذلك الوقت، وفي هذا السياق، يعتبر نتنياهو ملف الانسحاب من جنوب لبنان خطاً أحمر، وسط ضغوط أميركية لدفع مسار المفاوضات.
أما بالنسبة إلى إيران فإنها تبدو بين شطري المقص: حرب استنزاف أم صفقة كبرى؟ إذ لا يمكن قراءة المشهد اللبناني بمعزل عن النزاع المحتدم بين واشنطن وطهران، والذي تحول خلال الصيف الحالي إلى مواجهة مكشوفة على جبهات عدة، فمع اقتراب موعد الانتخابات النصفية الأميركية، تبدو إدارة دونالد ترامب مصممة على تحقيق مكاسب ضد إيران، مستخدمةً أداة الحصار الاقتصادي والعسكري.
ففي 13 آب الجاري أعلن وزير الدفاع الأميركي بيتر هيغسيث أن البحرية الأميركية قادرة على فرض حصار بحري "غير محدود" على إيران، في تصعيد يأتي بعد أسابيع من إعلان الولايات المتحدة "استعادة" السيطرة على مضيق هرمز وإعلان ترامب عزمه على جعله "أرضاً أميركية".
وفي بالمقابل، ردت إيران بإغلاق المضيق، مهددة بتصعيد النزاع إذا لم تُلبَّ شروطها، ومؤكدة أن أي استخدام أميركي للسلاح النووي سيجعل القواعد الأميركية حول العالم "أهدافاً"، لكن المفارقة أن إيران، التي تبدو في موقف المدافع، تحاول توظيف الملف اللبناني كورقة ضغط رئيسية في مفاوضاتها مع واشنطن، فقد أصرت طهران على إدراج لبنان في أي اتفاق شامل، مستغلةً نفوذ حليفها "حزب الله" لتعزيز موقعها التفاوضي، وبينما تسعى الإدارة الأميركية لدفع لبنان لنزع سلاح الحزب، تواصل إيران دعمه عسكرياً وسياسياً، في محاولة للحفاظ على ذراعها الإقليمية الأطول في مواجهة إسرائيل.
وفي هذا السياق، تبدو الانتخابات النصفية الأمريكية وتلك الإسرائيلية بمثابة "نافذة فرصة وخطورة" لإيران؛ فالضغط العسكري والاقتصادي الذي تمارسه واشنطن والذي تسبب في انهيار الصادرات النفطية الإيرانية إلى الصفر تقريباً وارتفاع التضخم لأكثر من 80%، يهدف إلى إجبار طهران على تقديم تنازلات نووية كبرى، فيما تحاول إيران كسب الوقت أملاً في تغير الإدارة الأميركية بعد الانتخابات. لكن في المقابل، قد تدفعها حدة الضغوط إلى خيار التصعيد المفتوح، خصوصا بعد انتهاء الهدنة المؤقتة بين الطرفين في 17 آب الجاري، مما يضع المنطقة برمتها على شفا مواجهة قد تكون أكثر شمولاً من أي سيناريو مطروح حتى الآن.
لبنان
وفي خضم هذه الحسابات الإقليمية المتشابكة، يبقى لبنان هو الضحية الأبرز؛ فالتصعيد الإسرائيلي المستمر، الذي أسفر أخيراً عن استشهاد 11 شخصاً وإصابة 19 آخرين في بلدتي أنصار ودير الزهراني بينهم عائلة كاملة، يضع الحكومة اللبنانية في موقف حرج، فمن جهة، تطالب الحكومة بوقف التدمير الإسرائيلي ووضع جدول زمني للانسحاب، ومن جهة أخرى، تواجه الاتفاق الإطاري الموقع في 26 حزيران الماضي برعاية واشنطن تحديات متزايدة مع استمرار التصعيد وتعثر مفاوضات روما. وتعمقت الانقسامات السياسية في لبنان حول سبل مقاربة مضمون الاتفاق، بينما يصر حزب الله على رفضه ووصفه بأنه "مذلة وعار وتنازل عن السيادة".
ثلاثة سيناريوهات
وبناءً على هذه المعطيات، تستشرف أوساط ديبلوماسية ثلاثة سيناريوهات محتماة يمكن أن تشهد أحدها الفترة الفاصلة عن الاستحقاقين الانتخابيين الإسرائيلي والاأيركي:
1ـ سيناريو التصعيد التدريجي بحيث قد تواصل إسرائيل تصعيدها المحدود في جنوب لبنان، مع تركيز خاص على تلة علي الطاهر، في محاولة لتحقيق مكاسب ميدانية قبل الانتخابات من دون جر المنطقة إلى حرب شاملة. وهذا السيناريو يتيح لنتنياهو تسويق "إنجازات" أمنية للناخبين، مع بقاء إيران في دائرة التهديد والضغط من دون الذهاب إلى مواجهة مفتوحة ضدها.
2ـ سيناريو المواجهة الموسعة في حال رد حزب الله بقوة على الغارات الإسرائيلية، أو في حال سقطت الهدنة بين واشنطن وطهران، بحيث قد تحصل مواجهة أوسع تخرج عن السيطرة. إذ إن عدداً من الخبراء العسكريين يحذرون من أن معركة تلة علي الطاهر ستكون شرسة ومكلفة للطرفين، وقد تمتد لتشمل جبهات أخرى في المنطقة. وفي هذا السيناريو، قد تحاول إسرائيل استغلال الفوضى لتبرير تأجيل الانتخابات أو تعزيز شعبية نتنياهو كـ"قائد في زمن الحرب".
3ـ سيناريو الجمود مع استمرار المفاوضات، بحيث قد تستمر المفاوضات في روما بين لبنان وإسرائيل، والمفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران، من دون أن تحقق أي تقدم حقيقي، مع بقاء الوضع الميداني على حاله من توتر مسيطر عليه، في انتظار ما ستفرزه صناديق الاقتراع في إسرائيل وأميركا من متغيرات. وهذا السيناريو يبقى مرهوناً بقدرة الأطراف على ضبط النفس، وهو الأكثر ترجيحاً في حال نجحت الجهود الديبلوماسية في تهدئة الأوضاع مؤقتاً.
وفي أي حال، تبقى الأسابيع القليلة المقبلة حاسمة لمستقبل لبنان والمنطقة بكاملها. فإسرائيل، بقيادة نتنياهو الذي يواجه معركة وجودية سياسية، قد تكون مستعدة لدفع ثمن باهظ في الجنوب اللبناني لقاء مكاسب انتخابية. وأميركا، المنشغلة بانتخاباتها النصفية وحربها مع إيران، قد تمنح إسرائيل ضوءاً أخضر محدوداً للتحرك، في انتظار ما ستفرزه صناديق الاقتراع من تغيير في موازين القوى في واشنطن.
أما إيران، فتواجه أكبر تحدٍّ لها منذ سنوات، بين خيار الصمود في وجه الضغوط وتقديم تنازلات قد تغير موازين القوى في المنطقة، أو اللجوء إلى خيار التصعيد الذي قد يكون آخر أوراقها. وفي كل الحالات، يبقى لبنان هو الساحة التي تتنازع عليها هذه المشاريع الإقليمية، ما لم تنجح الدولة في انتزاع قرارها السيادي من قبضة الأفرقاء الداخليين والقوى الخارجية على حد سواء.

