الياس المرّ - خاصّ الأفضل نيوز
لم تعد المواجهة الإسرائيلية ـ التركية مجرد خلاف سياسي عابر، ولا يمكن اختزالها في التباين حول غزة أو في التنافس على النفوذ داخل سوريا. ما يتشكل اليوم هو صراع أعمق على شكل النظام الإقليمي المقبل، ومن يمتلك القدرة على رسم قواعد الأمن والنفوذ والممرات الاستراتيجية في المنطقة.
وتبرز سوريا باعتبارها المسرح الأكثر حساسية لهذا الصراع؛ فتركيا تنظر إلى سوريا باعتبارها مجالاً حيوياً لأمنها القومي، وامتداداً مباشراً لحدودها ومصالحها الاستراتيجية، وتسعى إلى المساهمة في إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية وتعزيز حضورها العسكري والأمني، في المقابل، ترى إسرائيل أن أي إعادة بناء لقدرات عسكرية سورية، أو أي انتشار لقوة إقليمية منافسة بالقرب من حدودها، يمكن أن يحد من حرية عملها ويخلق تهديداً مستقبلياً.
من هنا، فإن التناقض بين أنقرة وتل أبيب يتجاوز مسألة الانتشار العسكري. إنه صراع على من يحدد سقف القوة داخل سوريا، ومن يمتلك حق رسم قواعد اللعبة الأمنية فيها.
الضربة الإسرائيلية الأخيرة على قاعدة أبو الظهور في شمال غرب سوريا حملت دلالات تتجاوز بعدها العسكري المباشر؛ فالموقع يرتبط بالمساعي التركية لتعزيز حضورها العسكري في سوريا، ولذلك يمكن قراءة الضربة كرسالة إلى أنقرة بقدر ما هي رسالة إلى دمشق، مضمونها أن إسرائيل لن تسمح بتحول سوريا إلى مساحة عسكرية تقيّد تفوقها الجوي أو تحد من قدرتها على تنفيذ عملياتها.
في المقابل، تدرك تركيا أن السماح لإسرائيل بفرض قواعد أمنية منفردة في سوريا يعني عملياً تقليص نفوذها الإقليمي؛ لذلك بدأت المعادلة تتحول من تنافس على النفوذ إلى اختبار للردع المتبادل.
ورغم القوة العسكرية التي يمتلكها الطرفان، فإن الحرب المباشرة لا تبدو الخيار الأكثر ترجيحاً، تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي وتمتلك قدرات عسكرية وصناعية متقدمة، بينما تتمتع إسرائيل بتفوق نوعي في سلاح الجو والاستخبارات والدفاعات الصاروخية والقدرات السيبرانية، أي مواجهة مباشرة ستكون مكلفة، كما ستضع الولايات المتحدة أمام مأزق استراتيجي كبير بين شريكين أساسيين.
لذلك، تبدو حرب الظل السيناريو الأكثر واقعية: صراع استخباراتي، تنافس على النفوذ المحلي، حرب إلكترونية، ضغوط اقتصادية، سباق على القواعد والممرات، ومحاولات لفرض وقائع ميدانية من دون الوصول إلى حرب معلنة.
ولا يمكن فصل هذا الصراع عن معركة الممرات الإقليمية؛ فالشرق الأوسط يتحول تدريجياً إلى شبكة مترابطة من طرق التجارة والطاقة والنقل، وتركيا تسعى إلى تثبيت موقعها كحلقة وصل بين آسيا والخليج وأوروبا والبحر المتوسط، بينما تعمل إسرائيل على تعزيز موقعها ضمن منظومة إقليمية جديدة من الموانئ والطاقة والممرات التجارية.
أما العامل الأميركي، فيبقى عاملاً حاسماً في منع الانفجار. واشنطن لا تريد مواجهة بين تركيا وإسرائيل، ولذلك ستسعى إلى إنشاء قنوات اتصال وآليات لتفادي الاحتكاك العسكري، خصوصاً في الأجواء السورية، لكن قدرة الولايات المتحدة على إدارة الصراع لا تعني قدرتها على إنهاء أسبابه، لأن جذور الخلاف ترتبط بتضارب المصالح والرؤى الاستراتيجية.
واللافت أن تركيا لا تتحرك منفردة؛ فتعاظم علاقاتها مع دول الخليج وباكستان وغيرها يمنحها شبكة أوسع من الشراكات، ويعزز قدرتها على المناورة في النظام الإقليمي. وفي المقابل، تحاول إسرائيل الحفاظ على شبكة تحالفاتها الدولية والإقليمية لمنع ظهور مراكز قوة جديدة قادرة على تعديل ميزان القوى.
أمام هذه المعطيات، يبدو أن المنطقة تتجه نحو مرحلة جديدة من صراع التوازنات؛ فالحرب الشاملة بين تركيا وإسرائيل تبقى مستبعدة في المدى المنظور، لكن احتمالات الاحتكاك المحدود، وسوء التقدير، والتصعيد غير المباشر ستبقى مرتفعة.
السؤال الحقيقي لم يعد: هل ستندلع حرب تركية ـ إسرائيلية؟ بل: هل يستطيع الطرفان إدارة صراعهما من دون أن يتحول التنافس على النفوذ إلى مواجهة في القوة؟
سوريا ستكون الاختبار الأهم. فإذا نجحت واشنطن وأنقرة وتل أبيب في وضع قواعد واضحة لتجنب الاحتكاك، فقد يبقى الصراع ضمن حدود المنافسة السياسية والأمنية. أما إذا استمرت محاولة كل طرف فرض أمر واقع جديد، فقد تتحول الساحة السورية إلى المختبر الأخطر للنظام الإقليمي المقبل.
في المحصلة، المواجهة الإسرائيلية ـ التركية ليست معركة على قاعدة أو مدينة أو ملف واحد، بل هي جزء من صراع أكبر على من يرسم خريطة الشرق الأوسط في مرحلة ما بعد الحروب والتحولات الكبرى. وما نشهده اليوم قد يكون بداية انتقال المنطقة من عصر الهيمنة المنفردة إلى عصر أكثر تعقيداً، عنوانه الأساسي: توازنات متعددة، ونفوذ متنافس، وقواعد جديدة لم تُحسم بعد.

