ندى أندراوس - خاصّ الأفضل نيوز
تتجاوز زيارة رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون إلى روما والفاتيكان، إطارها البروتوكولي، لتكتسب أهمية سياسية وأمنية استثنائية في توقيت يحاول فيه لبنان انتزاع تقدّم عملي في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. فالزيارة تأتي فيما لا تزال آلية التحقق من تطبيق اتفاق الإطار، ولا سيما في ما يتصل بالمناطق التجريبية، تمثّل العقدة الأكثر تعقيداً أمام توسيع هذه التجربة والانتقال بها إلى مناطق إضافية.
جوهر الخلاف لم يعد محصوراً في تحديد المناطق أو في الإجراءات التي يتولاها الجيش اللبناني داخلها، بل انتقل إلى سؤال أكثر حساسية: من يتحقق من خلوّ هذه المناطق من السلاح؟ وما الدولة، أو مجموعة الدول، القادرة على نيل موافقة متزامنة من لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة للمشاركة في هذه المهمة؟
حتى الآن، ما تزال الإجابات غائبة، فيما يبرز اسم إيطاليا بين الخيارات الأكثر جدية.
وتشير المعطيات إلى أن الوسيط الأميركي يتولى التواصل مع الجانب الإيطالي، بينما يستعد لبنان الرسمي لطرح المسألة مباشرة مع روما للمرة الأولى خلال مباحثات الرئيس عون، التي تشمل رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني.
أهمية الخيار الإيطالي تنطلق من حقيقة أن روما ليست طرفاً جديداً على الساحة اللبنانية، بل تتمتع بحضور عسكري وتدريبي متراكم يجعلها أكثر قدرة من دول أخرى على الانخراط السريع في أي آلية محتملة. فإيطاليا تشارك في قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان بوحدة تضم نحو 740 عنصراً، كما تعمل من خلال البعثة العسكرية الإيطالية الثنائية في لبنان، المعروفة بـ«ميبيل»، على تدريب الجيش ورفع جهوزيته وتطوير قدراته.
إلى ذلك، تقود روما منذ العام 2024 اللجنة التقنية العسكرية من أجل لبنان، المعروفة بـ«MTC4L»، بمشاركة عدد من الدول، بهدف دعم المؤسسة العسكرية بالتدريب والتجهيز وتعزيز قدراتها، فضلاً عن تقديم المساعدات الإنسانية. وهذا الحضور المتعدد المستويات يمنح إيطاليا أفضلية لوجستية وعملانية، ويختصر الوقت اللازم لتشكيل بعثة جديدة أو إعداد قوة غير مطّلعة على واقع الجنوب وتعقيداته.
سياسياً، تعكس مساعي الرئيس عون محاولة لنقل لبنان من موقع المتلقي للضغوط والشروط إلى موقع الشريك في صياغة آليات تنفيذية، توازن بين المتطلبات الأمنية المطروحة وحق الدولة اللبنانية في تثبيت سيادتها ومنع تحويل عملية التحقق إلى أداة تدخل مفتوحة أو وصاية أمنية على أراضيها. فالأزمة لا تتصل بتقنية التفتيش وحدها، بل بالسؤال الأعمق حول الجهة التي تمتلك حق تثبيت خلوّ المناطق من السلاح، وحدود صلاحياتها، والضمانات التي تمنع إسرائيل من استخدام نتائج التحقق ذريعة لاستمرار احتلالها وعملياتها العسكرية.
ومن هنا، يسعى الرئيس إلى توفير طرف ثالث مقبول يستطيع ربط كل خطوة لبنانية بخطوة إسرائيلية مقابلة، بما يحول دون تكريس معادلة ينفّذ فيها لبنان التزاماته من جانب واحد، فيما تبقى إسرائيل متحررة من موجبات الانسحاب ووقف الاعتداءات.
أما أوروبياً، فيُنظر إلى لبنان باعتباره ساحة شديدة الهشاشة، يمكن أن يؤدي انهيارها إلى موجة جديدة من عدم الاستقرار الإقليمي والنزوح نحو المتوسط، ولذلك يتقاطع البعد الأمني مع المصالح الأوروبية المباشرة. وتبدو المقاربة الإيطالية أكثر واقعية من مقاربات أوروبية أخرى. فروما لا تنظر إلى لبنان من زاوية أمن إسرائيل وحده، ولا تتبنى في الوقت نفسه أي تساهل مع بقاء السلاح خارج الدولة، بل تركز على تعزيز الجيش بوصفه المؤسسة القادرة على ملء الفراغ ومنع تجدد الحرب.
وعليه، تريد بيروت تحويل هذا التقاطع في المصالح إلى التزام سياسي وعسكري إيطالي يضمن صدقية التحقق، ويحمي المؤسسة العسكرية اللبنانية من أن تتحول إلى جهة مطالبة بالتنفيذ تحت الضغط الإسرائيلي، من دون غطاء دولي أو مقابل ميداني واضح. كذلك تراهن على موقع إيطاليا المتوازن، باعتبارها دولة لا تواجه اعتراضاً إسرائيلياً أو أميركياً معلناً، وتحافظ في الوقت نفسه على علاقات وثيقة مع لبنان ومؤسساته.
غير أن الطريق ليس سهلاً. فأي مشاركة عسكرية إيطالية جديدة تحتاج إلى موافقة البرلمان الإيطالي، كما تفرض على روما إجراء تقييم دقيق للمخاطر التي قد تواجه قواتها خلال عمليات التحقق، وهي مخاطر مرتفعة في منطقة لا يزال الاستقرار فيها هشاً والاحتمال الأمني مفتوحاً.
أما محطة الفاتيكان، فتمنح الزيارة بعداً سياسياً ومعنوياً مكملاً. فلبنان يحتاج، بالتوازي مع البحث عن آليات أمنية، إلى مظلة دولية تحمي استقراره وتصون مؤسساته وتدعم عودة سكان الجنوب إلى قراهم. وبذلك، يحمل عون إلى روما ملفاً تنفيذياً، وإلى الفاتيكان قضية وطن مهدد، محاولاً تحويل الحضور الإيطالي القائم إلى دور ميداني فاعل، والدعم المعنوي للبنان إلى شبكة أمان سياسية ودولية.

