هنادي السمرا - خاصّ الأفضل نيوز
رغم أنّ اللبنانيين لا زالوا يأملون بمبادرة من الخارج أو تسوية تؤدي إلى انتخاب رئيس للجمهورية، إلا أن هذا الاستحقاق يتعثّر ويصطدم بعقبات عديدة بسبب تعنت الفرقاء السياسيين في الداخل من ناحية، وانشغال الخارج عن الملف اللبناني من ناحية أخرى، حيث إن المتابعَ للتطورات لا يرى أن هناك إصراراً دولياً لتكرار تجارب الطائف والدوحة وسان كلو، بل إنَّ جلَّ ما يصدر عن الخارج، عربياً كان ام اجنبياً، يتمثل بالتوصيات والتصاريح التي تقول بأن الحل يفترض أن ينطلق من الداخل اللبناني بالدرجة الأولى.
ووسط الجمود السياسي الرئاسي الذي فرضه انتظار عودة الموفد الفرنسي جان إيف لودريان إلى بيروت، ورغم القناعة المشتركة لدى المعارضة والممانعة، بأن لا بديل عن الحوار من أجل الولوج إلى الاستحقاق الرئاسي، طالما أنّ كلا الطرفين المتنازعين قادران على استعمال حق الفيتو عبر تعطيل النصاب، بغض النظر عن خلفية كل فريق وشروطه المسبقة لهذا الحوار.
وسط كل ذلك، يتخبّط البلد في أزمات وملفات ضاغطة تزيد الأمور تعقيداً، وتطغى في حينها على المعالجات السريعة نتيجةً للانقسام الحتمي حولها، بين مؤيد أو رافض، ولعل آخرها كان اتهام وزارة المال بـ"إخفاء" التقرير المتعلق بالتدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان، ورافق ذلك مطالبة نيابية بدأت مع رئيس لجنة المال والموازنة النائب إبراهيم كنعان بنسخة عن التقرير لمناقشته في المجلس النيابي، واستكملت مع بعض الكتل للقيام بالعمل التشريعي والرقابي وللمحاسبة على السياسات المالية والنقدية بناءً على أرقام ومعطيات دقيقة ومحدّدة، وبدوره ردّ المكتب الإعلامي للوزارة موضحاً بأنَّ "ما تسلمته وزارة المالية ما هو إلا مسودّة عن التقرير الأولي للتدقيق الجنائي وما زال بصيغة غير نهائية، وإن العقد تم توقيعه مع الحكومة اللبنانية ممثلةً بوزير المالية، وإن دورَ الوزارة يقتصر بحسب أحكام هذا العقد على التنسيق بين مصرف لبنان وشركة التدقيق وليس أكثر، وعليه فإن التقرير يكون ملكاً للحكومة اللبنانية وليس لوزارة المالية، ما يستدعي أن تسلّم النسخة النهائية إلى مجلس الوزراء، وبالتالي فإنَّ التصرف بمضمونه يبقى من صلاحيات هذا المجلس ". وقد كشف المكتب الإعلامي أنَّ " ما يتم تداوله من أن مسودة التقرير الذي أرسل إلى وزارة المالية أتت على ذكر شخصيات اقتصادية ومالية وسياسية، هي أخبارٌ غير صحيحة على الإطلاق ولا تمتّ إلى الحقيقة بصلة ".
في سياق آخر، من المقرر أن يصدر البرلمان الأوروبي قبل نهاية تموز الجاري قراراً بشأن لبنان ، وتبقى كل الخيارات مفتوحة بما فيها خيار فرض عقوبات على من أسماهم معطلي الاستحقاق الرئاسي، على قاعدة أنه حان الوقت لأن تكون القيادة اللبنانية قادرة على تلبية حاجات شعبها"، وقد عُلم بأنّ عدداً من النواب الأوروبيين انتقدوا بشدة القوى السياسية اللبنانية لتعطيلها انتخابات رئاسة الجمهورية، وكذلك انتقدوا الفساد المستشري وتطرّقوا إلى الإصلاحات التي لم تنفذ بعد.
وبدوره، عبّر مفوض الاتحاد الأوروبي "عن خيبة أمل وقلق بالغ إزاء الجمود طويل الأمد على أرض الواقع" وذلك بسبب عدم وجود إرادة حقيقية لتسريع الحل بين النخبة الحاكمة اللبنانية. وأكد " أنّ شرط أي دعم مالي محتمل، من الإتحاد الأوروبي أو من الشركاء الآخرين، هو تحقيق الإصلاحات المطلوبة"، وبالتالي فقد أصبحت الانتخابات الرئاسية وتشكيل الحكومة والانتخابات البلدية تكتسب أهمية أكثر من أي وقت مضى »، وقد تنوعت مداخلات النواب اللبنانيين بين توصيف الوضع اللبناني بـأنه " وضع مقلق للغاية"، وأن هناك "حالة من الانهيار المؤسسي"، وتحدث نواب آخرون عن"الفساد المستشري في الدولة وعن النظام السياسي القائم على توزيع السلطة بين الطوائف"، ولكنهم أجمعوا على أنَّ الوضع يستدعي الاهتمام".
بالتوازي مع ذلك كله، وفي تقرير مقلق جداً، أشار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي، بعد إنهائه مشاورات حول المادة الرابعة لعام 2023، إلى أن لبنان يُواجه، منذ ثلاث سنواتٍ، أزمةً ماليةً ونقديةَ سياديةً غيرَ مسبوقة ، معرباً عن بالغ القلق إزاء الأزمة العميقة متعددة الأبعاد التي تواجه لبنان لأكثر من ثلاث سنوات والتي أدت إلى انهيار حاد في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وتوقع أن يصل دين لبنان العام إلى 550 % من ناتجه المحلي بحلول العام 2027 ، وكان هذا المجلس قد حذّر المسؤولين قبل عدة أشهر وقال بأن لبنان يمرّ بـ“لحظة خطيرة للغاية” في ظل انهيار اقتصادي متسارع، منبهاً إلى أن التقاعسَ عن تطبيق إصلاحات ملحّة من شأنه أن يدخل البلاد في “ أزمة لا نهاية لها " ، وبينما أقر المديرون بصعوبة الوضع السياسي، فإنهم أسفوا على الإجراءات المحدودة التي تم تنفيذها والقرارات التي تم اتخاذها على مستوى السياسات الاقتصادية بهدف التصدي للأزمة، وشددوا على أنَّ الحل يبقى بخطة إصلاح شاملة.
وفي المحصّلة، يبدو من الواضح أنّ البلاد باتت عالقةً بين سندان عودة لودريان، (الذي يقبع في بلده في أتون الاحتجاجات النارية)، وما يتبع هذه العودة من نتائج لاتصالاته مع الفرقاء في الداخل ومع الدول الخارجية المهتمّة بالشأن اللبناني، وبين مطرقة حوار داخلي بعيد المنال، بالتزامن مع دخول جلسات الانتخاب الرئاسية إلى ثلاجة الانتظار، واقتراب انتهاء ولاية حاكم مصرف لبنان ومن ثم قائد الجيش، ما يعني أنَّ لبنان دخل في ستاتيكو الأزمات الدائمة، وعينه على حل يأتي من المريخ ربّما ، ليتمّكن من الخروج من نفق الانهيار الذي ليس من الواضح في المدى المنظور، ما اذا كان من بصيص نور في نهايته، وسط تمترس السياسيين أو بعضهم على الأقل وراء شعارات لا تسمن الشعب البائس ولا تغنيه عن جوع ، لأن هذا الشعبَ لم يعد يهمّه أو يعنيه العنوان الفضفاض وإنما يتطلع إلى التطبيق العملي الواقعي.


