يحيى الإمام - خاص الأفضل نيوز
إذا كانت مدينةُ جِنين، في موقعِها الجغرافيّ، تقعُ في شمال الضّفّة الغربيّة من فلسطين المحتلة، وتبعدُ عن القدس الشّريف مسافة 75 كيلومتراً لناحية الشّمال، وتطلّ على أغوار الأردن من ناحية الشّرق، فإنّ موقعَها السّياسيّ اليومَ هو في قلب الأمّة العربيّة كلها، وفي وجدان كلّ حرٍّ عربيّ ومسلم، لما تمثّله من صمودٍ وعنادٍ وثباتٍ على الحقّ في مواجهة العدو الصهيوني المحتل، عدو الله والإنسانية الذي لا يُقيم وزناً للمواثيق والعهود ولا يأبهُ بالشّرعيّة الدّولية ولا يحترم المبادئ والقوانين الإنسانية.
إنّ ما حدثَ في مخيم جنين، في أوائل شهر تموز المجيد، لأمرٌ عظيم يُثلجُ صدرَ كلّ فلسطيني وعربي لأنّ نتائج التوغّل الصهيوني قد جاءت بعكس ما أرادها نتنياهو للخروج من أزمته السّياسيّة، وإذا كان بن غفير قد وافقَ على مضض على خوض غِمار الحرب وراهن على كسر إرادة الشّعب الفلسطيني، ليس من أجل تحقيق مصلحة نتنياهو وإنّما بدافع تطرّفه وعنصريّته وانسجاماً مع دعواته المتكرّرة لسحق الم.ق.ا.و.م.ة والقضاء عليها فقد تلقّى هو الآخر صفعةً على وجهه لن ينساها أبداً..
بدأَ الهجومُ الإسرائيليّ بغارات جويّة وترويع وتشريد للآمنين في المخيم ثمّ تلاه توغّل برّي شارك فيه أكثر من ألف جندي إسرائيلي فاصطدم الهجوم بم.ق.ا و.م.ة شرسة وعناد لا مثيلَ له، وسقط عشرة شهداء من الجانب الفلسطيني وأُصيب مئة ولكن الآليات الإسرائيلية كانت تتطاير بالمفخّخات والجنود الصهاينة كانوا يرتعبون ويفرّون ويعتقدون بأنّهم يقاتلون الأشباح على حدِّ تعبيرهم.
ففي تقرير سريع صادر عن العقيد آفيف باروخ قائد عمليّة التّوغّل، كان قد أرسله إلى وزير الحرب الإسرائيلي الجنرال يوآف غلانات ونشرته صحيفة يدعوت أحرنوت بتاريخ 7-7-2023 قال في بدايته :
( سيّدي الجنرال إنّني أرفضُ أن يتمّ نسب الفشل للقوّات العاملة في الميدان فقط، وأرى من حيث الوقائع الّتي عشناها داخل العمليّة بأنّ الفشل يلحقنا جميعاً لعدّة أسباب: فالمعلومات الاستخباريّة التي وصلتنا قبل العمليّة حول طبيعة المقاتلين هي معلومات غير صحيحة إطلاقاً، فهم مقاتلون مدرّبون يظهرون من العدم يُطلقون النار علينا ويختفون في العدم مرّة أخرى كأنّهم جزء من حجارة الأرض، لقد ألقيْتم بالقوّات الإسرائيلية إلى مصيدة تجهلونها، فأين كانت أعينكم وآذانكم قبل أن ترسلونا إلى المخيّم؟)
وبعد أن تمادَت إسرائيل في غيّها وبدأت بالقتل والتّجريف والتّخويف والتّشريد، جاء التّهديد من غزة للتّأكيد على وحدة السّاحات، لفرض معادلة جديدة كما حدث في عملية (سيف القدس) في أيار عام ٢٠٢١، فزاد ذلك من عزيمة المقاومين، وجاءت عمليّة الدّهس التي نفّذها ال.ش.ه.ي.د البطل عبد الوهاب خلايلة في تل أبيب لتثبت هذه المعادلة وهذا الخيار ولتزيد من إرباكات نتنياهو وتخبّطه بالأزمات، فاختار الأخير أن ينسحبَ من جنين بهزيمةٍ محدودة بدل الهزيمة المُجلجلة لتتحوّل جنين كمدينة ومخيّم إلى أيقونة لل.م.ق.ا.و.م.ة في الضّفة الغربية، ومثال يُحتذى في المعارك القادمة، الأمر الذي كان يخشاه العدو ويصرّح علناً بأنّ دخوله إلى جنين إنّما كان يهدفُ إلى عدم تنامي هذه الظّاهرة في الضّفة لأنّ السّلطة الفلسطينية لم تتعاون بالشّكل الكافي ولم تنجح، حسب تعبير الإسرائيليين، في وقف تهريب السّلاح وفي ملاحقة الفدائيّين.
نعم لقد كان صمودُ الفدائيين في جنين مصدرَ فخرٍ واعتزاز للأمّة العربيّة ولكلّ أحرار الأرض، وكان ينبئ بعجز إسرائيلَ وحلفائها عن قتل روح ال.م.ق.ا.و.م.ة والفداء، لا بل إنّه قد أعاد إلى الإنسان العربيّ ثقته بنفسه وقدراته وإمكاناته، وكان المقدّمة الأولى للانتصار في معركة المصير، فلتحيَا فلسطين حرّةً عربيّةً والمجد والخلود لنهج ال.م.ق.او.م.ة والشّهداء.


