يحيى الإمام - خاصّ الأفضل نيوز
لقد كان مقتلُ سِبطِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ، في كربلاءَ وما رافقَه من أحداثٍ مُشينة يندى لها جبينُ الإنسانية، أعظمَ فاجعةٍ في تاريخِ المسلمين، ولكن بدلَ أن تكونَ المناسبةُ عاملَ فُرقةٍ وفتنةٍ لا يدَ للمسلمينَ فيها ولا باعَ إلا من خلال سكوتهم على الظلم والعدوان وخوفهم من الطاغية وجيش عبيد الله بن زياد، أرادَها أميرُ المؤمنينَ عمرُ بنُ عبد العزيز رضوانُ اللهِ عليه عاملَ وحدةٍ وجمعٍ، فواجَه الناصبةَ ودافعَ عن أهل بيت النبيّ صلى اللهُ عليه وسلّم، وكذلك فعلَ الإمام الشافعي، رحمه اللهُ تعالى، بعد ردحٍ من الزمن حتى وصفه بعض الناصبةِ بأنه رافضيٌ، فردّ بمقولتِه الشهيرةِ يومَذاك وقال:
( إن كانَ رفضاً حبُّ آلِ مُحَمَّدٍ
فليشهدِ الثقلانِ أني رافضي).
لقد كان في ذلكَ العصر ناصبةٌ ورافضة: ناصبةٌ يناصبونَ أهلَ بيتِ النبيِّ العداء، ورافضة يرفضون بَيعةَ زيد بن علي رضوان الله عليهما، ولم يكن إمامُ أهل السنة والجماعة الشافعي ولا المسلمون بمعظمهم ناصبةً ولا رافضة، وإنما كانوا يرزحون تحت ظلم حاكمٍ يوزّع ظلمَه على الرعيّة بالمساواة، رغم أن كثيراً من روايات التاريخ يتحدّثون عن انشقاق وتمرد في جيش بن زياد وعن حالة غضب في قصر يزيد، وفي كتب الأدب العربي دليل على محبة كل المسلمين لذلك الفتى زين العابدين علي بن الحسين رضوان الله عليهما عندما قصد الحرمَ المكي لكي يحج فانفرجت له الجموع وفُتح أمامه الطريق خلافاً لما كان لهشام بن عبد الملك، وعندما غضب هشام وسأل الناسَ: من هذا؟ أجابَه الفرزدقُ بلسان حال المسلمين جميعاً:
" هذا الذي تعرف البطحاء وطأته
والبيت يعرفه والحِلُّ والحَرمُ
هذا ابنُ فاطمةٍ إن كنتَ جاهلَه
بجدّه أنبياءُ اللهِ قد خُتموا...
إلى آخر القصيدة التي صنفت كأعظم قصيدة موقف سياسي في شعرنا العربي.
يقولُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم: ( ألحسنُ والحسينُ سيّدا شبابِ أهلِ الجنّة)، ويقول أيضًا: ( حسينُ مني وأنا من حسين، أحبَّ اللهُ من أحبَّ حُسَينًا )، فهل بعد ذلك من شكٍ في صدورِ المؤمنين في ولاء كل مسلمٍ لرسول الله ( ص ) وأهل بيته الأطهار ؟ وهل يصح اليومَ أن يعتبرَ بعض المسلمين أنفسَهم هم أولياء الدّم دون غيرهم أو يعتبرَ الآخرون بأنهم غيرُ معنيّين بهذا الجرح الكبير وهذا الشهيد العظيم؟
لقد وقف سبط ابن الجوزي، وهو أعلم علماء أهل السنة في عصره، على منبر دمشق في يوم عاشوراء فقال:
" ويلٌ لمَن شُفَعـَـــــاؤهُ خُصَماؤهُ
والصُّور في نَشرِ الخَلائقِ يُنفخُ
لا بُدَّ أن ترِدَ القيامةَ فـــــاطِمٌ وقميصُها بدمِ الحسينِ مُلَطَّخُ "، ثم غادر الجامعَ وهو يبكي.
ولن نطيلَ الحديثَ حول الشواهد التاريخية، ولن نسلطَ الضوء على موقفِ عبد الله بن عمر بن الخطاب الذي أمسك بالإمام الشهيد عند أسوار الكعبة وحاول أن يمنعه من الذهاب إلى الكوفة ولكن حجة الإمام الحسين كانت أقوى وإصراره كان أمضى، فاحتضنه عبد الله بن عمر وقبلَه وبكى وقال له: "أستودعك الله من شهيد "...
واليوم ونحن نعيش حالة الضعف والتمزّق والهوان لسنا بحاجة إلى مزيد من وسائل الإقناع أكثر من قوله لنا: " والله ما خرجتُ أشراً ولا بطراً إلا أن أريد الإصلاحَ في أمة جدّي"، ولا يثنينا الخوف من مجابهة الظلم لنتركه لقدره إذا قال لنا: " هذا الليلُ فاتّخذوه جَملا"...
فالحسين خرجَ من أجل إحقاق الحق وجمع شمل المسلمين، وما أكثر القضايا النبيلة التي يتوجب على المسلمين أن يجتمعوا حولها ويستبسلوا في الدفاع عنها تقرباً من قلب الحسين وعقله، ولقد كانت قضية فلسطين من أبرز القضايا التي تعني كل المسلمين، وكانت وحدة ساحات المقا و مة في فلسطين وفي لبنان نهجًا حسينيًا يجمع أهلَ السنة والشيعة تحت راية الإسلام، ويرضى الله ورسوله والحسين الشهيد عن نهج المقا و مة والشهداء والسير على دروب بيت المقدس الأسير.
فيا أحباب الحسين ويا أحبابَ رسول الله ( ص ) إن قضية الحسين وأولاده ونسائه هي المقا و مة فلا تخذلوها ثم تندمون وتلطمون وجوهكم وصدوركم، ولا تمنعوا عنها الماءَ وأسبابَ الحياة ولا تحاصروها من كل صوب وناح وتطالبوا بتسليم السلاح ثم تقولون بعد ذلك: " ليتنا كنا معها"..
ألا إن المقا و مةَ اليومَ هي إرث الحسين عليه السلام، وفلسطين اليوم هي وجهته وإنهاء الاحتلال غايته ومقصده، فهل قلوبكم وسيوفكم معه اليوم؟؟ أم إن قلوبكم معه وسيوفكم وأقلامكم عليه؟؟؟

