ممتاز سليمان - خاصّ الأفضل نيوز .
ثمّة مثل قديم يقول " لا عدو إلا عدو الكار" ، في إشارةٍ إلى المنافسة السلبية التي تحصل عادةً بين أشخاص أو مؤسسات تعمل في نفس المجال أو القطاع، بحيث تنشأ حالات من الغيرة والحسد إذ يتمنى كل منهما الشر للآخر ، في سبيل علو كعبه في رياسته على القطاع الذي يعمل فيه.
ولكن هناك ظاهرة هامة حاصلة في منطقة البقاع تمثل شذوذًا عن القاعدة السلبية والنمط المعتاد تمثّلت وتتمثل في التناغم والانسجام والتكامل بين مؤسستين عملاقتين في البقاع، عنيتُ بهما مؤسسات الأزهر في مجدل عنحر ومؤسسات الغد الأفضل في الخيارة.
ففي عز الحرب الأهلية التي عصفت بالبلاد منذ منتصف سبيعنيات القرن الماضي، وفي وقت كانت البلاد تعاني الخراب والدمار والنزوح والهروب والهجرة، برزت قامتان بقاعيتان كبيرتان، عملتا عكس التيار وعكس المنطق السائد وقتها ، هما سماحة المفتي المغفور له خليل الميس و معالي الوزير عبد الرحيم مراد.
ففي وقتٍ كان الجميع يبحث عن سبيل للهروب من أتون الحرب وويلاتها كان سماحة المفتي يتجاوز دوره الدعَوي النظري إلى العمل التطبيقي من خلال وضع اللبنات الأولى لمؤسسة أضحت من أعرق المؤسسات الدينية الاجتماعية والتربوية على إحدى التلال المهجورة في بلدة مجدل عنجر،
فسماحة المفتي آمَنَ أن الدين قول وعمل وأن العمل أبلغ وأكثر تأثيرًا في نشر الدعوة وانتشارها، فكانت خطوة الألف ميل في بناء مؤسسات أزهر البقاع لتكون حاضنًا للشباب المسلم وموجهًا له دينيًا وأكاديميًا بعيدًا من الغلو والتطرف، وما لبثت أن توسّعت وامتدت لتلعب دورًا محوريًا حتى على الصعيد الوطني تحت عباءة وكاريزما الراحل المغفور له.
بالتّوازي كانت قامة أخرى قد ابتدأت العمل على إنشاء إمبراطوريةٍ تعليمية في قلب الريف الفقير المحروم وسط تعجّب البعض واستغرابهم حتى من جدوى مشروع كهذا في قلب السهل ، فكانت مؤسسات الغد الأفضل وراعيها الوزير عبد الرحيم مراد التي استحالت إمبراطورية تعليمية من الحضانة إلى الجامعة، مرورًا بالصّرح الأغلى دار الحنان للأيتام، بذل في سبيلها العرق والسهر وحُميت في مراحل معينة بأشفار العيون، عندما سُوِّل للبعض شهية تخريبها وتدميرها طمعا في ربح سياسي آني مدفوعٍ بحقد دفين ،ولكن بقيت المؤسسات واندثر المخرّبون .
ولأن العقل المؤسساتي الذي هدفه البناء والإنماء لا يقف عند الموقف السياسي، كان لافتًا الانسجام التام بين سماحة المفتي الميس والوزير عبد الرحيم مراد، على مدى عقود رغم حملات التفرقة ومحاولات دق الأسافين.
وما أشبه اليوم بالأمس فالنهج المؤسساتي صمد وبقي واستمر مع سماحة المفتي الشاب علي الغزاوي الأمين على الأزهر، ومع معالي الوزير النائب حسن مراد الأمين على مؤسسات الغد الأفضل، حيث أصرّ على تجديد العهد والوعد والتفاهم، فجرى مؤخرًا توقيع مذكرة التعاون بين المؤسّستين تُتيح تقديم مُنح وتسهيلات لخريجي الأزهر في متابعة رحلتهم الجامعية على أرض البقاع وفي كنفه، وفي تأكيد على عمق العلاقة واستقراراها واستمرارها.
وبالرغم من بعض الأصوات النشاز التي لا تجد صدى لها سوى في الفرقة والضغائن إلا أنه بدا واضحا أن أرضيتها قد فُقدت، وبضاعتها كسدت، وأضحت خارج الزمان والمكان فيما مسيرة المؤسسات تمضي قُدمًا نحو غدٍ أفضل.

