راما الجراح - خاص الأفضل نيوز
لا يمرّ السادس من أيار في لبنان كذكرى عابرة. هذا اليوم محفور في الذاكرة الجماعية، منذ أن تحوّلت ساحة في قلب بيروت إلى مشهد مفتوح على الموت، يوم علّق جمال باشا المشانق في العام 1916، وأعدم عددًا من اللبنانيين، بينهم صحافيون، لأنهم كتبوا، ولأنهم قالوا ما لا يُراد له أن يُقال.
لم تكن تلك اللحظة مجرد حدث دموي في زمن الانتداب العثماني، بل كانت بداية مسار طويل من استهداف الكلمة الحرة. في ساحة الاتحاد آنذاك، التي عُرفت لاحقًا بساحة البرج قبل أن تستعيد اسمها "ساحة الشهداء"، سقط أوائل شهداء الصحافة. وبحسب ما توثّقه نقابة الصحافة اللبنانية، استنادًا إلى ما أورده ميشال زكور عن شاهد عيان هو أحمد ناصر، والمنشور في جريدة "البرق"، فإن الصحافة كانت منذ ذلك الحين في صلب المواجهة، لا على هامشها.
اليوم، وبعد أكثر من قرن، لا تزال الصورة نفسها تتكرّر، وإن تبدّلت الأدوات. في الجنوب اللبناني، وعلى خطوط التماس، لم يعد الصحافي شاهدًا فقط، بل هدفًا. الكاميرا التي تنقل الحقيقة باتت كافية لوضع حاملها في دائرة الاستهداف. لم تعد المسألة أضرارًا جانبية، بل جزءًا واضحًا من معركة السيطرة على الرواية.
منذ حرب تموز 2006، حين وقف الصحافيون على خطوط النار لنقل الوقائع رغم المخاطر، وصولًا إلى 2026، تبدّلت طبيعة الخطر نفسه. ما كان يُصنّف حينها ضمن تداعيات الحرب، أصبح اليوم جزءًا من استراتيجيتها. لم يعد الصحافي شاهدًا على القصف فقط، بل بات في كثير من الأحيان ضمن بنك الأهداف.
المفارقة القاسية أن القوانين الدولية لم تتغيّر كثيرًا منذ عقود: اتفاقيات واضحة، ونصوص صريحة تعتبر الصحافي مدنيًا يجب حمايته. لكن على الأرض، شيء آخر يُكتب. الانتهاكات تتكرّر، والمحاسبة غائبة، وكأن حماية الإعلاميين تبقى حبرًا على ورق حين تصطدم بالوقائع السياسية والعسكرية.
ما يجري في لبنان ليس استثناءً، من غزة إلى أوكرانيا، يتكرّس نمط عالمي جديد: استهداف الصحافيين كجزء من إدارة الحروب، لا كنتيجة لها.
وهنا تحديدًا، يصبح السادس من أيار أكثر من ذكرى. يتحوّل إلى مرآة تقول إن ما بدأ بالمشانق في ساحة الشهداء لم ينتهِ؛ تغيّرت الوسائل، لكن الفكرة واحدة: إسكات الصوت.
في ذكرى شهداء الصحافة، لا يكفي استذكار الأسماء، بل المطلوب اليوم يتجاوز الرمزية: مساءلة جدّية، وآليات دولية فاعلة، وقواعد اشتباك جديدة تحمي من يحمل الكلمة في الميدان، لأن السؤال لم يعد عن الماضي فقط، بل عن الحاضر الذي يتكرّر بلا رادع. فكم صحافيًا يجب أن يسقط بعد، حتى تصبح حماية الحقيقة أولوية، لا تفصيلًا؟

