طارق الحجيري - خاصّ الأفضل نيوز
يقول المثل الشعبي اللبناني "جدّي كان يجبّر المكسور"، فيجيبه آخر "وجدّي كان يجبره بمنع كسره".
بين الجملتين تُختصر فلسفة بناء الدول ومؤسساتها. فالدول المستقرة لا تكتفي بمعالجة الأزمات بعد وقوعها، بل تعمل على منع أسبابها ومعالجة جذورها، أما في لبنان، فغالبًا ما اعتدنا إدارة الأزمات بدل حلّها، وتسويات مؤقتة بدل المعالجات المستدامة.
ويُعتبر ملف العفو العام من أبرز الملفات التي تكشف هذا الخلل المزمن في إدارة الشأن العام. فمنذ سنوات يعيش آلاف اللبنانيين وعائلاتهم حالة من الانتظار والترقب، فيما يتحوّل النقاش حول هذا الملف في كل مرة إلى مادة تجاذب سياسي وطائفي، بدل أن يكون مناسبة لإقرار مقاربة وطنية عادلة ومتوازنة تعالج تداعيات مراحل سابقة من الانقسام والفوضى والاستنسابية.
العفو مدخل للاستقرار
المشكلة لا تكمن فقط في تأخير إقرار قانون العفو العام، بل في طريقة مقاربته وإدارته. إذ إن أي معالجة جزئية أو انتقائية لهذا الملف ستؤدي إلى تعميق الانقسام بدل معالجته، وستُبقي شعور شريحة واسعة من اللبنانيين بأن العدالة تُطبَّق بمعايير متفاوتة.
ومن هنا، جاء تأجيل جلسة مجلس النواب الأخيرة كخطوة أتاحت فسحة إضافية للتشاور السياسي ومحاولة تخفيف الاحتقان، بما يفتح المجال أمام مقاربة أكثر توازنًا لهذا الملف الحساس، بعيدًا عن التسرّع أو الانقسام الحاد، وهي خطوة وطنية تُحسب للرئيس نبيه بري.
العدالة والمساواة
من جهتهم أهالي الموقوفين الإسلاميين يؤكدون أنهم لا يطالبون بتبرئة المرتكبين أو حماية من تلطخت أيديهم بالدماء، بل يطالبون بمقاربة عادلة ومتوازنة تنهي حالة الشعور بالتمييز تجاه أبنائهم، وتُعيد التأكيد على مبدأ المساواة أمام القانون.
لبنان اليوم بأمسّ الحاجة إلى دولة قادرة على معالجة أسباب الأزمات لا الاكتفاء بإدارتها، وإلى ترسيخ مفهوم العدالة الشاملة بعيدًا عن أي اعتبارات سياسية أو طائفية؛ فالقوانين الاستثنائية، وفي مقدّمها العفو العام، لا يمكن أن تحقق أهدافها الوطنية ما لم تستند إلى معايير واضحة وعادلة تشمل الجميع من دون استثناء أو استنسابية.
في بلد أنهكته الحروب والانقسامات، تبقى الحاجة ملحّة إلى مقاربة وطنية هادئة ومسؤولة تُعيد بناء الثقة بين الدولة ومواطنيها، وتؤكد أن الاستقرار الحقيقي لا يقوم إلا على العدالة والمساواة واحترام القانون.
أنقذوا لبنان، قبل فوات الآوان، وقبل أن تتحول أزماته المتراكمة إلى كسرٍ دائم يصعب جبره.

