محمد علوش - خاصّ الأفضل نيوز
في اللحظة التي يُعقد فيها اجتماع أمني مباشر بين وفد عسكري لبناني ووفد عسكري إسرائيلي برعاية أميركية داخل البنتاغون، يصبح واضحاً أن المسألة بالنسبة لراعي اللقاء تتجاوز المكانيزم التي كانت تضم وفدًا عسكريًا لبنانيًا وآخر إسرائيلي، بهدف التنسيق الأمني الخاص بالقرار 1701 وتنفيذه، وبالتالي ما يجري فعلياً يتخطى كل هذا وهو محاولة أميركية إسرائيلية لإعادة صياغة وظيفة الدولة اللبنانية الأمنية والعسكرية، وإعادة تعريف مفهوم الاستقرار في لبنان بما يتناسب مع الأمن الإسرائيلي أولاً، لا مع السيادة اللبنانية ولا مع حق اللبنانيين في حماية أنفسهم من الاعتداءات الإسرائيلية المستمرة.
منذ نهاية الحرب الأخيرة، تعاملت واشنطن وتل أبيب مع جبهة الجنوب باعتبارها فرصة لإنتاج واقع أمني وسياسي جديد في لبنان، إسرائيل فشلت عسكرياً في فرض الأمن بالقوة، وفشلت في إبعاد المقاومة عن الحدود بالنار، وفشلت في خلق بيئة لبنانية داخلية تضغط على المقاومة للانكفاء الكامل، ولذلك انتقلت إلى مسار آخر وهو تحويل الإنجاز الذي عجزت عن تحقيقه بالحرب إلى هدف تفاوضي وسياسي وأمني تقوده الولايات المتحدة تحت عنوان الاستقرار وحصرية السلاح وتعزيز دور الجيش اللبناني.
لكن خلف هذه العناوين، توجد رؤية إسرائيلية واضحة جداً من اللقاءات العسكرية مع لبنان تختلف عن رؤية الجانب اللبناني وهذه الرؤية تقوم على إنشاء منظومة أمنية لبنانية جديدة تكون وظيفتها الأساسية إدارة ملف سلاح المقاومة نيابة عن المجتمع الدولي، وتحويل الجيش اللبناني تدريجياً من جيش عقيدته الأساسية مواجهة العدو الإسرائيلي إلى قوة أمن داخلي تضبط الحدود الجنوبية وتمنع أي تهديد لإسرائيل.
ولهذا السبب تحديداً، فإن الحديث الأميركي المتكرر عن تطوير الجيش اللبناني وإنشاء ودعم الوحدات الخاصة لنزع السلاح ورفع قدرات الدولة لا ينفصل عن هذا الهدف، فواشنطن تدرك أن نزع السلاح بالقوة المباشرة مستحيل، وأن الجيش اللبناني لا يمكنه خوض حرب داخلية بهذا الحجم، ولذلك يجري العمل على استراتيجية طويلة النفس تقوم على بناء وحدات محددة داخل المؤسسة العسكرية، مرتبطة بالتمويل والتدريب والتجهيز الأميركي، وتكون مهمتها تنفيذ مراحل تدريجية من السيطرة الأمنية الكاملة على الجنوب وعلى البنية العسكرية للمقاومة.
المشكلة هنا ليست بعقيدة الجيش اللبناني الحالية، لأن المؤسسة العسكرية اللبنانية، رغم كل الضغوط، لا تزال تعتبر إسرائيل عدواً، ولو أن الضغوطات تسببت بعدم استخدام كلمة عدو، إنما المشكلة أن جزءاً أساسياً من المشروع الأميركي الإسرائيلي يقوم على تغيير وظيفة الجيش ونظرته ودوره.
تؤكد مصادر عسكرية أن الجيش لن يكون بوارد تنفيذ ما تريده إسرائيل، مشيرة الى أن الموقف الرسمي هو رفض تشكيل أي فرقة خاصة بالجيش لنزع السلاح، مشددة على أن الجيش يتوجه لواشنطن بثوابت وطنية واضحة عنوانها انسحاب إسرائيل وتطبيق خطة حصر السلاح بحسب ما أعده الجيش.
ولكن الأخطر أن لبنان يدخل هذا النوع من المفاوضات وهو يحمل تجربة شديدة السوء مع الأميركيين. قبل أسابيع فقط، كان الموقف الرسمي اللبناني يكرر بشكل واضح أن لا مفاوضات قبل وقف إطلاق النار، وأن أي نقاش سياسي أو أمني يجب أن يأتي بعد تثبيت التهدئة ووقف الاعتداءات الإسرائيلية. ثم ماذا حصل؟ دخل لبنان في مسار تفاوضي بينما النار لا تزال مشتعلة، واستمرت الاغتيالات والغارات والضغط العسكري بالتزامن مع التفاوض. أي أن واشنطن نجحت عملياً في كسر السقف اللبناني الأول، وأثبتت أن الضغط الميداني يمكن أن يدفع الدولة اللبنانية إلى التراجع التدريجي عن شروطها، فهل هناك ما يضمن ما سيصدر عن اللقاءات الأمنية في البنتاغون؟
تتعامل الولايات المتحدة مع أي مرونة لبنانية على أنها بداية مسار يمكن توسيعه لاحقاً. اليوم يجري الحديث عن ترتيبات أمنية، غداً عن لجان مشتركة، وبعدها عن آليات مراقبة، ثم عن وحدات خاصة، ثم عن خطوات إجرائية مرتبطة بالسلاح تحت عنوان بسط سلطة الدولة. كل ذلك سيُقدَّم للبنان على أنه جزء من حماية الاستقرار ومنع الحرب وإعادة الإعمار وفتح باب المساعدات الدولية.

