نبيه البرجي خاصّ الأفضل نيوز
هنا البنتاغون .. إنه المكان الذي لا مجال فيه للمراوغة الديبلوماسية ولا للرقص على خيوط العنكبوت , كما لا مجال للوبي اليهودي لكي ينشر الأشباح داخل الجدران مثلما الحال في وزارة الخارجية، وحيث ما يزال وقع أقدام هنري كيسنجر يطرق الرؤوس , وهو الذي رأى في لبنان "الفائض الجغرافي" الذي يمكن استخدامه لتسوية أزمات المنطقة (عندما طرح خيار الدولة الفلسطينية البديلة) , ليتكامل رأيه مع رأي آرييل شارون "لبنان خطأ تاريخي" , كما لو أن إسرائيل ليست الخطيئة الكبرى التي جعلت الشرق الأوسط يقيم على أبواب الجحيم !
الدولة اللبنانية , وفي ظل التداعيات الكارثية للحرب , عرضت التفاوض المباشر مع حكومة الائتلاف (ائتلاف الحاخامات) . ولكن، بدا أن دونالد ترامب الذي بدا , غير مرة , أنه أكثر إسرائيلية من الإسرائيليين , يريد الأخذ بـ"ديبلوماسية الأرض المحروقة" (أو الزحف على الظهر إلى الهيكل بحسب سفير لبناني سابق) من خلال اللقاء بين الرئيس جوزف عون ورئيس الحكومة الإسرائيلية في البيت الأبيض .
في أي أزمة دولية أو إقليمية لا مفاوضات بين القبور أو فوق الجثث , وإن رأى الجنرال رفاييل إيتان "أن أفضل المفاوضات تلك التي تعقد مع الموتى" .
إيتمار من غفير دعا إلى تشييد سور من الجماجم حول الدولة العبرية ، جماجم من ؟ ذلك الشبق التوراتي للدم , وللخراب , لم يتوقف يوماً، في جلسة المفاوضات الأولى بدا المفاوض الإسرائيلي وهو يخلط بين الجنون العسكري والجنون الديبلوماسي، هنا ردهة المفاوضات لا سيرك المجانين .
لا ندري مدى دقة ما نقله إلينا ديبلوماسي عربي مخضرم من أن اختيار البنتاغون للجولة التالية من المفاوضات (29 أيار) لم يكن فقط بسبب البحث في نقاط تقنية ذات طابع عسكري , وإنما لدفع الإسرائيليًين , ولو خطوة واحدة نحو الواقعية , وبعيدا عن الظلال الاسبارطية التي تحكم العقل العسكري الإسرائيلي , الأميركيون الذين يتابعون التفاصيل اليومية للميدان يعتبرون أن الوقائع العسكرية على الأرض في الجنوب اللبناني لا تمضي لمصلحة تل أبيب، الانتقال الديناميكي إلى "حرب العصابات" والتي تجلت في واقعة "القوزح" المتاخمة للحدود دليل على أن الأرمادا العسكرية الإسرائيلية , وبالرغم من هولها , تدور في حلقة مقفلة , لتتعدى الكمية اليومية للمصابين بكل المقاييس . وهذا ما عكسته أمام الملأ التعليقات في وسائل الإعلام الإسرائيلية على اختلافها ...
موقع "واللا" نقل عن ضباط كبار "أن الوضع في جنوب لبنان يشكل تحدياً كبيراً لقواتنا لأن البقاء في منطقة جغرافية لفترة طويلة يستتبع تحدياً عملياتياً ضاغطاً"، ولكن لتوسيع الانتشار مخاطره الكثيرة أيضاً، صحيفة "هاآرتس" نقلت عن ضباط في الميدان قولهم "إننا لا نفهم استراتيجية قادتنا , لتغدو مهمتنا الأساسية هدم المنازل في القرى اللبنانية" , ثم ليتحدثوا عن "إحباط الضباط بسبب ارتفاع عدد المصابين" , مع الإشارة هنا إلى أن عدد المصابين يوميا عشية القرار الإسرائيلي بالانسحاب من لبنان في أيار 2000 كان أقل بكثير .
بالرغم من ذلك، قال رئيس الحكومة آنذاك إيهود باراك , وهو الجنرال الذي يوجد على صدره أكبر كمية من الأوسمة , "لقد آن الأوان لجنودنا للخروج من جهنم" .
ولكن هل باستطاعة الجنرالات الأميركيين أن يتحدثوا مع الإسرائيليين بلهجة عسكرية , بعدما ألمحت بعض وسائل الإعلام الأميركية إلى أن الوقت (على الأرض) ليس لمصلحة الإسرائيليين الذين بدأت قوتهم العسكرية (التي لا تقهر) تتقهقر منذ الاختبار الكبير على أرض غزة , وحيث أظهرت الوقائع أن حكومة نتنياهو لا تستطيع أن تحدد أفق اليوم التالي . عاموس هارئيل , المعلق العسكري في "هآرتس" يبدي خشيته على المؤسسة العسكرية التي تعرضت في العقد الحالي لصدمات قاتلة , ليتلاشى الوهج الذي كانت تتمتع به بعد حرب حزيران 1967 , ولتبدأ رحلة التراجع بالانسحاب من لبنان عام 2000 بعد 22 عاماً من "المراوحة الدموية" هناك .
الفرنسيون الذين طالما تبنوا القضية اللبنانية بكل تشابكاتها , استبعدوا بفظاظة من الأميركيين والإسرائليين , عن المفاوضات , بالرغم من نصيحة أكثر من جهة لكون قناة التواصل بين باريس وحارة حريك ما زالت مفتوحة، لكن الإليزيه وكذلك الكي دورسيه (مقر الخارجية الفرنسية) يتفقان في القول إن المشكلة الأساسية هي في النظرة الإسرائيلية إلى لبنان , وهذا ما يمكن تبينه من مراسلات دافيد بن غوريون وموشي شاريت في مطلع الخمسينات من القرن الفائت , بل ومن كل الأدبيات الإسرائيلية , سواء الإيديولوجية أم الاستراتيجية .
جان ـ إيف لودريان رأى أن لبنان "في وضع خطير على صعيد وحدته وسلامة أراضيه"، باريس تدق ناقوس الخطر، ماذا عن الساحة اللبنانية بالشظايا السياسية والطائفية ؟ رهاننا على أن يتولى الجنرلات الأميركيون كسر العلاقة بين الجنون العسكري والجنون الديبلوماسي في إسرائيل . قلنا إنه البنتاغون , لكنه بنيامين نتنياهو الذي لم تتورع المؤرخة الأميركية اليهودية آفيفا تشومسكي عن وصفه بـ"مخلب الشيطان" !

