د. علي دربج - خاص الأفضل نيوز
بعيدًا عن العاطفة أو سرديات النصر والهزيمة التي يرددها اللبنانيون، باختلاف انتماءاتهم السياسية والمناطقية ـ أثناء مقاربتهم للحرب الدائرة في جنوب لبنان وتقييمهم لأداء كل من المقاومة والاحتلال ـ يبقى من أكثر المشاهد غرابة في هذه الحرب ذلك العويل والنواح الذي يرافق كل تقدُّم إسرائيلي موضعي أو سيطرة مؤقتة على موقع أو تلة، وصولًا إلى قلعة الشقيف.
المشكلة هنا ليست في الاختلاف السياسي، وهذا حق طبيعي لكل لبناني، بل الكارثة الكبرى هي استناد العديد من السياسيين والنخب الأكاديمية إلى قراءات تحكمها الأحقاد الطائفية والمذهبية والكيد السياسي، فضلًا عن تجاهلهم المتعمّد في كثير من الأحيان للوقائع الميدانية، وافتقادهم أيضًا إلى المعرفة العسكرية اللازمة لفهمها وتفسيرها.
والأهم من ذلك كله، عجزهم عن إدراك الفارق الهائل في القدرات والإمكانات العسكرية والحربية والتقنية بين المقاومة في لبنان وجيش الاحتلال الإسرائيلي.
حجم ونوع وقوة آلة الحرب الإسرائيلية
مخطئ من يظن أن إسرائيل تستخدم في لبنان مجرد جيش تقليدي. فهناك إجماع عالمي على أن الكيان الغاصب يحتفظ بأكثر المنظومات النارية والتكنولوجية تطورًا في العالم، وهذا ما يفسّر سيطرته العسكرية الحالية تقريبًا من جديد على كامل المساحة الجغرافية للمناطق الجنوبية المحاذية للشريط الحدودي.
لنبدأ بسلاح الجو. فهو يضم عشرات مقاتلات F-35I Adir الشبحية، وهي النسخة الإسرائيلية المعدلة من المقاتلة الأمريكية F-35، التي تتميز بقدرتها العالية على التخفي عن الرادارات، وجمع المعلومات الاستخبارية، وتنفيذ الضربات الدقيقة في العمق. كما يوجد في الخدمة لدى سلاح الجو الإسرائيلي أكثر من مئة مقاتلة من طرازَي F-15 وF-16 المطوّرتين.
وفي حين تُعدّ المقاتلات الحربية من طراز F-15 العمود الفقري للضربات الثقيلة بعيدة المدى، نظرًا لقدرتها على حمل أطنان من الذخائر في الطلعة الواحدة، تُشكّل نظيرتها من طراز F-16 منصة الضربات اليومية والإسناد الجوي المستمر في لبنان. بينما تؤدي مقاتلات الجيل الجديد من طراز F-35 دور رأس الحربة في اختراق الدفاعات الجوية وجمع المعلومات وتوجيه الهجمات.
إشارة إلى أن هذه الطائرات لا تكمن أهميتها في عددها فقط، إنما في قدرتها على تنفيذ ضربات متزامنة ضد أهداف متعددة وعلى مسافات بعيدة، مع مستويات عالية من الدقة والمرونة العملياتية.
وغنيٌّ عن التعريف أن إسرائيل وافقت العام الحالي على خطة تسلح ضخمة تُقدَّر بنحو 350 مليار شيكل، تشمل مضاعفة أسطول مقاتلات F-35 من 50 إلى 100 طائرة، وزيادة عدد مقاتلات F-15IA الحديثة من 25 إلى 50 طائرة. والأرقام هنا تعود لوكالة رويترز.
إلى جانب ذلك، زوّدت الولايات المتحدة إسرائيل في السنتين الأخيرتين بأكثر من 14 ألف قنبلة من طراز MK-84 زنة 2000 رطل (907 كلغ)، و6500 قنبلة زنة 500 رطل، و3000 صاروخ Hellfire، و1000 قنبلة خارقة للتحصينات، و2600 قنبلة صغيرة القطر من طراز GBU-39 عالية الدقة، ودائمًا على ذمة "رويترز".
القوات البرية بالأرقام
دفعت إسرائيل بأكبر تشكيلاتها البرية إلى لبنان، إذ نقلت صحيفة جيروزاليم بوست، عن مصادر عسكرية إسرائيلية وغربية، مشاركة ما بين 4 و6 فرق عسكرية إسرائيلية في مراحل مختلفة من العمليات، من بينها الفرقتان 36 و91 إلى جانب تشكيلات مدرعة ومشاة أخرى. وإذا أخذنا الحجم المعتاد للفرقة الإسرائيلية، والذي يتراوح عديدها بين 10 و15 ألف جندي عند التعبئة الكاملة، فإن حجم القوات التي وُضعت على الجبهة اللبنانية خلال ذروة العمليات قد يكون تراوح نظريًا بين 40 ألفًا و80 ألف جندي من القوات النظامية والاحتياط، مع بقاء قسم منها في الخلف لأغراض الإسناد واللوجستيات والدفاع الحدودي.
ضع في اعتبارك أن عمود هذه القوة يتمثل في دبابة ميركافا 4 باراك، وهي أحدث دبابات الجيش الإسرائيلي، والمزوّدة بمنظومات استشعار رقمية وشبكات قيادة وسيطرة متقدمة ومنظومة الحماية النشطة "تروفي" لاعتراض الصواريخ المضادة للدروع.
علاوة على ذلك، تشارك ناقلات الجند الثقيلة من طراز "نمر" (Namer) المبنية على هيكل الميركافا في العمليات الهجومية ضد حزب الله، إلى جانب ناقلات جند من طراز "إيتان" (Eitan) المدرعة ذات العجلات، والتي يتراوح وزنها بين 30 و35 طنًا. المثير أن هذا المزيج يمنح إسرائيل قدرة عالية على المناورة وحماية القوات ودمج النيران والاستخبارات والهندسة القتالية ضمن قوة برية واحدة قادرة على تنفيذ عمليات معقدة في البيئات الحدودية والوعرة.
البحرية الإسرائيلية والعمليات السرية
بالرغم من قلة الأخبار عن مشاركة القوة البحرية في الحرب على لبنان، غير أنها تُعدّ جزءًا أساسيًا من منظومة الاستهداف، خصوصًا أنها تمتلك غواصات من طراز "دولفين" الألمانية، وبوارج حربية من طراز "ساعر 6"، فضلًا عن وحدات الكوماندوس البحري "شاييطت 13"، إضافة إلى منظومات مراقبة واستطلاع متطورة.
الأكثر أهمية هو أن البحرية الإسرائيلية شاركت في أكثر من 150 عملية عسكرية خلال حربَي 2024 و2026، ونفذت أكثر من 26 ألف ساعة عملياتية، وأسهمت في حماية حقول الغاز ومراقبة الساحل اللبناني وجمع المعلومات الاستخباراتية وتحديد الأهداف.
وعليه، تكفي هذه الأرقام لوحدها لفهم أن إسرائيل لا تدير معركة حدودية محدودة، بل قادرة على إنتاج نار كثيفة ومتواصلة تفوق ما تمتلكه معظم دول المنطقة مجتمعة.
العقيدة الإسرائيلية الجديدة وسر القوة النارية
عمليًا، لا ينحصر سر القوة الإسرائيلية في الطائرات أو القنابل فقط، لكن أيضًا في الدمج الكامل بين الأقمار الصناعية والمسيّرات والاستخبارات والتنصت والذكاء الاصطناعي ضمن منظومة واحدة.
فالقمر الصناعي يكتشف، والمسيّرة تراقب، وأجهزة التنصت تجمع الإشارات، والذكاء الاصطناعي يحلل، وغرفة العمليات تنتج بنك أهداف متجددًا، ثم تأتي الطائرة أو المدفعية أو المسيّرة المسلحة لتنفيذ الضربة.
وبالتالي فإن هذا النموذج يُعرف في الأدبيات العسكرية الغربية باسم Network-Centric Warfare أو "الحرب الشبكية المتمركزة حول المعلومات".
ولهذا لا تُقاس القوة الإسرائيلية بعدد الطائرات فقط، بل بسرعة تحويل المعلومات إلى أهداف ثم إلى نار.
من هنا، تؤكد وكالة رويترز نقلًا عن مسؤولين لبنانيين أن إسرائيل نفذت نحو 3500 ضربة جوية بين 17 نيسان و7 حزيران الحالي، إضافة إلى 407 عمليات تفجير وتجريف واسعة في الجنوب.
وبالمثل، كشف مركز "ألما" الإسرائيلي عن تنفيذ الاحتلال 669 ضربة داخل لبنان (أي استهداف موضعي مثل عمليات الاغتيال أو ملاحقة القيادات) منذ 27 تشرين الثاني 2024 حتى أيار 2026، في إطار ما تسميه إسرائيل "الحرب بين الحروب"، أي منع الخصم من إعادة بناء قدراته حتى خلال فترات التهدئة. وهذا بدوره يفسّر أن مفهوم وقف إطلاق النار لم يعد يعني توقف العمليات العسكرية بالكامل، إنما أيضًا انتقالها إلى مستوى مختلف من الضغط العسكري المستمر.
وماذا عن قوة حزب الله؟ وسرّ صموده؟
بالمقابل، يمتلك حزب الله واحدة من أكثر الهيكليات القتالية غير النظامية تطورًا وخبرة في الشرق الأوسط. صحيح أن تل أبيب استطاعت تدمير جزء من البنية التحتية للحزب وتمكنت من استهداف عدد كبير من قياداته وعناصره، وفرضت تفوقًا جويًا شبه مطلق، ونفذت آلاف الضربات الدقيقة، مع ذلك تواجه خصمًا لا يعتمد على المطارات ولا على القواعد العسكرية التقليدية، بل على الانتشار والمرونة والقدرة على امتصاص الضربات وإعادة التموضع والاستمرار في القتال.
زد على ذلك، لا يقاتل الحزب وفق قواعد الجيوش التقليدية أصلًا، خصوصًا أنه يفتقر لأي قوة جوية أو بحرية، ويُمنع عليه الاستفادة من خدمات الأقمار الصناعية التجارية والعسكرية، ومع ذلك يعتمد على نموذج مختلف يُعرف بالحرب غير المتماثلة.
فقوته العسكرية وأساليب قتاله التكتيكية ترتكز أساسًا على شبكة انتشار واسعة، وتحصينات ومخابئ، ومجموعات مقاتلة صغيرة مزودة بمسيّرات، وصواريخ مضادة للدروع من مختلف الأنواع، إضافة إلى تميزه بقدرة عالية على إعادة الانتشار والاستمرار في العمل تحت الضغط.
المسيّرات القاتلة وتغيير قواعد الاشتباك
في الواقع أضحت المسيّرات أحد أهم عناصر القوة لدى حزب الله، حيث لا توجد تقديرات دقيقة عن العدد الذي بحوزة المقاومة. لكن مهلاً، فقوات الاحتلال لا تنظر إليها مجرد وسيلة استطلاع، لا سيما بعد أن نجح الحزب في تطويرها، وبالتالي جعلها أداة هجومية واستنزافية قادرة على جمع المعلومات وتصحيح النيران ومهاجمة مواقع عسكرية ومنظومات مراقبة وقواعد قيادة.
والأسوأ بالنسبة لإسرائيل أن هذه المسيّرات فرضت عليها استنزافًا ماليًا مستمرًا بسبب ارتفاع كلفة اعتراضها مقارنة بكلفة تصنيعها وتشغيلها. وتبعًا لذلك كشف مركز ACLED (إحدى أبرز قواعد البيانات العالمية المتخصصة في رصد النزاعات المسلحة...) أن حزب الله نفّذ خلال شهر أيار الفائت وحده، أكثر من 260 هجومًا باستخدام المسيّرات والصواريخ ومضادات الدروع ضد القوات الإسرائيلية.
كذلك أوضح المركز أن الفترة بين 17 و30 نيسان الماضي، شهدت نحو 360 هجومًا متبادلًا بين حزب الله وإسرائيل، من دون تحديد الحصة الدقيقة لكل طرف، لكنها تعكس مستوى اشتباك مرتفعًا جدًا.
وفي الإطار ذاته، أشار مركز "ألما" الإسرائيلي إلى أنه خلال الأسبوع الممتد بين 4 و10 أيار الفائت فقط، نفّذ الحزب نحو 220 هجومًا، بينها 140 هجومًا بالمسيّرات، و58 هجومًا بالصواريخ، و22 هجومًا بمضادات الدروع والأسلحة الأخرى.
وانطلاقًا من هذه المعطيات، يمكن القول إن حزب الله نفّذ منذ 2 آذار الماضي، وحتى أوائل حزيران الجاري، ما يُرجَّح أنه يتجاوز الألف هجوم واشتباك وعملية نارية متنوعة بين صواريخ ومسيّرات ومضادات دروع واشتباكات مباشرة، فيما تشير بعض قواعد الرصد إلى أن الرقم قد يكون أعلى من ذلك عند احتساب جميع العمليات اليومية الصغيرة والمتوسطة.
في المحصّلة
أمام هذه الفوارق غير المسبوقة في القدرات بين حزب الله وإسرائيل، فإن العقلانية تقودنا إلى الاستنتاج أن صمود المقاومة لهو معجزة بحد ذاته، فيما احتلال أي قرية أو بلدة أو التوغل داخلها أمرٌ متوقع ويمكن أن يستمر مستقبلاً لا يمكن نفيه.
فالمعضلة التي واجهت إسرائيل منذ عام 2006 وحتى اليوم أنها بالتأكيد تستطيع تدمير جزء كبير من البنية المادية والعسكرية للحزب، لكنها تجد صعوبة أكبر في القضاء على قدرته على القتال والصمود وإعادة إنتاج نفسه.
لذلك، فإن تقييم أي حرب لا يكون بعدد الغارات أو الاحتلال أو بحجم التدمير فقط، خصوصًا وأن تجارب فيتنام والعراق وأفغانستان علمتنا أن حجم الدمار لا يساوي بالضرورة حجم الإنجاز، بل بمدى قدرة القوة العسكرية الإسرائيلية على ترجمة تفوقها الناري إلى نتائج استراتيجية دائمة، وهنا تكمن المعضلة الاستراتيجية التي كانت وما زالت تواجهها تل أبيب.

