نبيه البرجي - الشرق الأوسط
لدى تفكك الإمبراطورية الشيوعية، كتب الصحافي الفرنسي البارز جان دانيال: "لكأنك تستفيق ذات يوم ليقال لك إن الشيطان مات". بعد توقيع الاتفاق الأميركي ـ الإيراني يوم الجمعة، هل يمكن القول إن الشيطان مات في الشرق الأوسط، ليكون الاحتفال الكبير بالخروج من الجحيم؟ كيف للشيطان أن يموت إذا ما كانت إسرائيل ماضية في سياساتها الهيستيرية لإزالة أي أثر للدولة الفلسطينية، وحتى للقضية الفلسطينية التي تبقى الجرح المشرّع على كل أشكال الاحتمالات؟
60 يوماً من وقف النار. المسائل التي على الطاولة تجعلنا أمام مفاوضات طويلة وشاقة. ولطالما دعونا الإيرانيين إلى الانتقال من "ديبلوماسية حائكي السجاد" إلى "ديبلوماسية بائعي السجاد". هذه أزمنة مجنونة، ولا مجال للتعامل معها إلا بالأدمغة المجنونة، ولكن بالمعنى الخلّاق للكلمة.
إنه الشرق الأوسط الذي كان دوماً "الحلم المقدس" لدى الأباطرة. ماذا إذا كنا في القرن الذي لا بد أن يكون "قرن التحولات الكبرى"، مع ظهور إمبراطوريات أخرى أو بدخول الذكاء الاصطناعي في حياتنا اليومية، والذي لا بد أن يؤثر، على نحو مذهل، في المفاهيم البشرية، على المستويات كافة، وكذلك في المعادلات الدولية؟ من هنا ضرورة تشكيل رؤية مختلفة في صياغة السياسات كما الاستراتيجيات.
اللافت أن هذه المسألة تشغل معاهد البحث في إسرائيل، لا سيما بعدما لاحظ الباحثون التغير الدراماتيكي في نظرة العالم الغربي إلى الدولة العبرية، ما يمكن أن يؤدي إلى اضمحلال دورها، بعدما كان دافيد بن غوريون قد ربط بين الدور الإسرائيلي والوجود الإسرائيلي. هؤلاء الباحثون يتوقفون عند ما حدث وما يحدث في غزة وفي لبنان، بعدما ذهب بنيامين نتنياهو بالأداء الدونكيشوتي إلى حدوده القصوى، إن بشعار "تغيير الشرق الأوسط"، أو بشعار "إقامة إسرائيل الكبرى"، حتى وهو غارق بين النيران وبين الدماء.
معاهد البحث إياها تعترف الآن بأن الدولة العبرية لم تعد "القوة التي لا تُقهر". المعلق العسكري عاموس هرئيل لا يجد جواباً على سؤاله حول عجز تلك الأرمادا الجوية والبرية والبحرية عن كسر المقاومة الفلسطينية، بذلك الأداء الأسطوري على مسرح خالٍ كلياً من التضاريس الطبيعية.
هذا ما يحدث في لبنان أيضاً. لكنها الطائرات الأميركية، والقنابل الأميركية.
نستذكر قول جدعون ليفي: "لولا الإمدادات الأميركية اليومية، لكان علينا أن نقاتل بالعصي والحجارة". هذا اليوم لا بد آتٍ...
حاخامات حريديون يعتبرون أن "أعجوبة هرتزل" لا بد أن تكون في طريقها إلى الاندثار، وهذا ما تقوله "النبوءات التوراتية"، كون "مملكة يهوه" في السماء لا على الأرض. نحن الذين نعلم أن لعبة المصالح كانت وراء قيام إسرائيل.
بريطانيا كانت تريد أن تكون لها محطة مركزية في الطريق إلى الهند. حتى إذا ما تصفحنا أوراق ناحوم غولدمان، وهو أحد آباء الدولة، والتي تقول: "لولا الرئيس الأميركي وودرو ويلسون لما كان وعد بلفور"، لاكتشفنا أن الأميركيين لاحظوا أهمية النفط في صراع القوى العظمى، إن على البقاء أو على قيادة العالم.
ولكن، ألا يشي المشهد الراهن بأن هناك قوى مؤثرة في الغرب بدأت تشعر بأن العلاقات الوثيقة مع إسرائيل باتت تشكل عبئاً على سياسات الدول الغربية وأخلاقياتها؟ دعوات إلى "غسل أيدينا الملطخة"، وإلى "ضرورة أن نلقي أرضاً ذلك العبء الثقيل على ظهورنا".
السؤال البديهي عن اليوم التالي في الشرق الأوسط. أصوات من داخل إيران تتناهى إلينا حول "حتمية إعادة النظر في علاقاتنا مع دول الضفة الأخرى من الخليج"، بعدما أظهرت عقود من النهج الأيديولوجي في إدارة العلاقات مدى انعكاس ذلك على المصالح الحيوية للدول المعنية، ودائماً لمصلحة الدولة العبرية. في هذه الحال، لا بد من الأخذ بالاعتبار المصالح الاستراتيجية المشتركة باعتماد النهج البراغماتي، وحيث التفاعل بين تلك المصالح، حتى إن هناك من يدعو إلى الأخذ بالنموذج الذي أخذت به مناطق أخرى في العالم، بإنشاء منظومة إقليمية تضم البلدان العربية وكلاً من تركيا وإيران (وحتى باكستان أيضاً)، بإمكانها أن تضطلع بدور فاعل في إدارة القرن، وحتى في صناعة القرن...
استطراداً، اليوم التالي في لبنان، حيث التصدعات السياسية والطائفية لامست حدود الانفجار، فيما البلاد تعيش نكبة لم تشهد نظيراً لها في تاريخها، وإن كان هناك من تبقى من العقلاء داخل هذه الدوامة من يرى أن النكبة الكبرى هي الإبقاء على تلك الحالة من الانشقاق والتشقق. وهذا رهان إسرائيل بالدرجة الأولى.
بعد توقيع الاتفاق الأميركي ـ الإيراني، والذي لا بد أن يكون بمثابة الزلزال الديبلوماسي، بالهزات الارتدادية في أرجاء المنطقة. كلام في أوساط "حزب الله" عن خطوة ما، وهامة، في اتجاه القوى الأخرى، فهل تُفتح أبواب القصر لحوار وطني يتمحور حول معالجة أسباب الأزمة، بالإفادة من الوضع المستجد في المنطقة، والتوافق على بلورة الأسس الفلسفية لإعادة بناء الدولة القادرة والبعيدة عن كل أشكال الوصاية، وإلا فالانتحار عند عتبة الهيكل...
ماذا عن إسرائيل التي طالما تركز رهانها على تأجيج الصراعات، إن بين بلدان المنطقة أو داخل هذه الدول؟ خوف حقيقي من تراجع الدور. شلومو ساند يسأل ما إذا كانت اللعبة قد أوشكت على الانتهاء (Game Over). لا بد أن تنتهي...

