طارق ترشيشي - خاص الأفضل نيوز
ليست كل القمم التي تعقد في البيت الأبيض تصنع تحولات تاريخية، لكن بعضها يكشف أن قراراً استراتيجياً قد اتُّخذ، وأن ما يُقال أمام عدسات الإعلام ليس سوى الجزء الظاهر من تفاهمات يتم إعدادها بعيداً عن الأضواء. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة القمة التي جمعت رئيس الجمهورية العماد جوزف عون بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، باعتبارها أكثر من مجرد زيارة رسمية، بل إعلاناً عن انتقال الملف اللبناني من مرحلة إدارة الحرب إلى مرحلة البحث في كيفية إنهائها. فاللغة التي استخدمها الرئيسان تجاوزت المفردات التقليدية التي اعتادتها البيانات المشتركة. لم يجرِ الحديث عن "احتواء التصعيد" أو "تثبيت وقف إطلاق النار"، بل عن إنهاء النزاع نهائياً، وهي عبارة لم يسبق أن حضرت بهذا الوضوح في خطاب رسمي يجمع رئيسَي البلدين. وهذه النقلة اللغوية ليست تفصيلاً، لأن السياسة الدولية تبدأ غالباً بتغيير المفردات قبل تغيير الوقائع.
منذ انتهاء الحرب الأهلية، تعاملت الإدارات الأميركية المتعاقبة مع لبنان بوصفه ملفاً أمنياً أكثر منه دولة ذات سيادة. فمرة كان لبنان ساحة لمواجهة الإرهاب، ومرة منصة لاحتواء النفوذ الإيراني، وفي مراحل أخرى مجرد جزء من النزاع العربي ـ الإسرائيلي.
أما اليوم، فيبدو أن الإدارة الأميركية تعيد صوغ هذه المقاربة. فحين يقول ترامب إن لبنان "لم يُعامل بطريقة جيدة"، وإنه تعرض لسنوات من سوء المعاملة، فإنه لا يقدم مجاملة لرئيس ضيف، بل يقر ضمنياً بفشل السياسات التي تركت الدولة اللبنانية تنهار اقتصادياً ومؤسساتياً، فيما بقيت الأولوية الدولية محصورة في إدارة التوازنات الأمنية. ولعل الرسالة الأهم جاءت في وعده بأن لبنان سيُعامل "بالاحترام الذي يستحقه"، وهو تعبير يفتح الباب أمام علاقة تقوم على دعم الدولة، لا على إدارة الأزمات فقط.
وفي المقابل، بدا الرئيس عون مدركاً لطبيعة اللحظة السياسية. فلم يخاطب ترامب بمنطق المساعدات أو القروض أو الدعم المالي، بل بمنطق "الدعم السياسي" والشراكة في صناعة الاستقرار. وعندما قال لترامب إن إنهاء النزاع اللبناني ـ الإسرائيلي قد يشكل "إرثه السياسي"، إنما كان يخاطب إحدى أكثر النقاط حضوراً في شخصية ترامب السياسية، وهي رغبته في تسجيل اتفاقات تاريخية تحمل اسمه والفوز بجائزة نوبل للسلام.
لكن الرسالة اللبنانية كانت أعمق من ذلك. فالرئيس عون أعاد تعريف وظيفة الدولة اللبنانية، بوصفها الدولة التي تريد احتكار القوة الشرعية عبر الجيش، واستعادة الجنوب، وإنهاء حالة الحرب، وإعادة إدخال لبنان إلى النظام الإقليمي الجديد من موقع الدولة، لا من موقع الساحة.
لكن أكثر ما يستحق التوقف عنده هو تكرار الحديث عن "الاتفاق الإطاري". فالبيان الرئاسي اللبناني، كما تصريحات عون وترامب، أوحى بأن ما تم التوصل إليه لا يقتصر على تفاهم أمني، بل يشكل إطاراً سياسياً لإنهاء النزاع. وهنا تبرز عدة أسئلة دستورية وسياسية.
إذا كان الاتفاق لا يحتاج إلى تصديق مجلس النواب، كما أكد الرئيس عون، فهذا يعني أن الرئاسة تعتبره مندرجاً ضمن صلاحيات السلطة التنفيذية في إدارة العلاقات الدولية والاتفاقات التنفيذية، وليس معاهدة دولية تستوجب موافقة المجلس النيابي. وهذا التفصيل الدستوري ليس هامشياً، لأنه يكشف رغبة واضحة في تجنب إدخال الاتفاق في سجالات الانقسام الداخلي، وتسريع الانتقال إلى مرحلة التنفيذ.
أما سياسياً، فإن الاتفاق، إذا اكتمل، فسيشكل أول إطار عملي منذ اتفاق الهدنة عام 1949 يهدف إلى إنهاء حالة الحرب بين لبنان وإسرائيل، ولو من دون الحديث عن معاهدة سلام بالمعنى التقليدي.
فمنذ عام 2006 شكّل القرار الدولي الرقم 1701 الإطار الناظم للوضع في الجنوب، لكنه بقي طوال عقدين قراراً يجمّد الاشتباك ولا يحله. فهذا القرار أوقف الحرب، لكنه لم ينهِ أسبابها. ولذلك، فإن الحديث اليوم عن إطار جديد يعني عملياً أن المجتمع الدولي بات يعتبر أن مرحلة إدارة الأزمة انتهت، وأن المطلوب معالجة جذور النزاع، من الاحتلال المتبقي، إلى النقاط الحدودية المتنازع عليها، مروراً بالترتيبات الأمنية الطويلة الأمد. هو انتقال من مفهوم "وقف الأعمال العدائية" إلى مفهوم "بناء السلام"، وهو انتقال يحتاج إلى إرادة سياسية أكثر مما يحتاج إلى ترتيبات عسكرية.
على أنه يصعب فهم القمة الأميركية ـ اللبنانية من دون التوقف عند المكانة التي احتلها الجيش اللبناني في النقاش خلالها. فالرئيس عون أعاد التذكير بانهيار المؤسسة العسكرية عام 1975 وما ترتب عليه من انهيار الدولة، بينما تحدث ترامب عن خطط ملموسة لدعم الجيش وتعزيز استقلاليته. والمقصود هنا ليس زيادة المساعدات العسكرية فقط، بل بناء مؤسسة تستطيع أن تكون المرجعية الأمنية الوحيدة على كل الأراضي اللبنانية. وبعبارة أخرى، يبدو أن واشنطن تراهن على الجيش ليكون الأداة التنفيذية لأي تسوية مقبلة، سواء في الجنوب أو على مستوى تثبيت سلطة الدولة.
لكن الرسالة الأكثر إثارة كانت حين أعلن ترامب استعداده للتحدث مع حزب الله إذا طلب منه الرئيس عون ذلك، إذ بدا وكأنه يكسر أحد المحرمات السياسية. صحيح أن هذا الكلام لا يعني اعترافاً بالحزب أو تغييراً في تصنيفه الأميركي "منظمة إرهابية"، لكنه يعكس تحولاً في الأولويات. فالولايات المتحدة الأميركية، في هذه المرحلة، تبدو معنية بمنع الحرب أكثر من تمسكها بالأشكال التقليدية للقطيعة السياسية. وهذا يعني أن واشنطن قد تلجأ إلى كل القنوات الممكنة، المباشرة وغير المباشرة، إذا رأت أن ذلك يخدم تثبيت الاستقرار.
في المقابل، يحمل تأكيد ترامب أن إسرائيل بدأت الانسحاب من الأراضي اللبنانية دلالة لا تقل أهمية.
فالانسحاب، إذا استكمل، لن يكون مجرد تنفيذ لالتزام ميداني، بل مقدمة لإعادة رسم قواعد الاشتباك. لكن إسرائيل، في المقابل، ستطالب بضمانات واضحة، أبرزها منع تحول المناطق المنسحب منها إلى قواعد عسكرية جديدة، وهو ما يفسر التركيز الأميركي على تعزيز دور الجيش اللبناني.
أما حديث ترامب عن الاتفاقات الإبراهيمية، وربطه لبنان بمستقبل المنطقة، فلا يمكن فصله عن المشروع الأميركي لإعادة تشكيل النظام الإقليمي. فالولايات المتحدة تريد شرق أوسط يقوم على التكامل الاقتصادي، والممرات التجارية، والتنسيق الأمني، بدلاً من الحروب المفتوحة.
غير أن لبنان سيواجه تحدياً كبيراً في التوفيق بين هذا المسار وبين تعقيدات بنيته الداخلية، وعلاقاته العربية، وصلاته بإيران، ودور حزب الله في المعادلة الوطنية.
ومن هنا، فإن أي انتقال إلى مرحلة جديدة سيظل رهناً بقدرة اللبنانيين على إنتاج توافق داخلي يواكب التحولات الإقليمية، لا أن يصطدم بها.
في ضوء كل ما تقدم، تتظهر ثلاثة سيناريوهات يمكن أن يشهدها لبنان:
-السيناريو الأول هو نجاح "الاتفاق الإطاري" بينه وبين إسرائيل في التحول إلى مسار دائم، يبدأ بانسحاب إسرائيلي كامل، وانتشار الجيش، وإنشاء آلية أمنية برعاية أميركية، وصولاً إلى إنهاء فعلي لحالة الحرب.
-السيناريو الثاني يتمثل في نجاح أمني محدود، يبقي الحدود هادئة، لكنه يعجز عن حل الملفات السياسية العالقة، فتتحول الهدنة إلى إدارة طويلة للأزمة.
-السيناريو الثالث، تعثر التنفيذ بسبب اعتراضات داخلية أو تبدلات إقليمية، ما يعيد الجنوب إلى دائرة التصعيد، ويؤجل مشروع التسوية إلى أجل غير مسمى.
وفي أي حال، تكشف قمة عون ـ ترامب أن لبنان دخل، ربما للمرة الأولى منذ عقود، مرحلة يُناقش فيها مستقبله بصفته دولة، لا مجرد ساحة نزاع. غير أن الطريق بين إعلان النيات وتحقيق الوقائع يبقى طويلاً وشائكاً.
فالولايات المتحدة تبدو مستعدة للاستثمار في استقرار لبنان، والرئاسة اللبنانية تراهن على الجيش بصفته ركيزة الدولة، فيما تشير إسرائيل إلى استعدادها للانسحاب ضمن ترتيبات تضمن أمن حدودها. لكن الحلقة الأكثر حساسية تبقى طريقة إدماج هذه التفاهمات في معادلة لبنانية داخلية معقدة، حيث لا تزال قضايا السلاح والسيادة والقرار الاستراتيجي موضع انقسام.
ولذلك، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل يريد المجتمع الدولي إنهاء الحرب في الجنوب؟ بل أصبح: هل يمتلك اللبنانيون القدرة على تحويل هذه الفرصة إلى مشروع وطني جامع، أم أن الانقسامات الداخلية ستعيد إنتاج الحلقة نفسها التي عاشها لبنان طوال العقود الماضية؟
فإذا نجحت هذه القمة في إطلاق مسار سياسي متدرج، فقد تُسجل في التاريخ باعتبارها بداية نهاية أطول حالة حرب عرفها لبنان مع إسرائيل. أما إذا بقيت الوعود حبراً على ورق، فإنها ستضاف إلى سلسلة طويلة من الفرص الضائعة التي عرفها الشرق الأوسط، ومن ضمنه لبنان، منذ بداية النزاع العربي الإسرائيلي إثر نشوء كيان إسرائيل عام 1948.

