غدير عدنان نصر الدين-خاصّ الأفضل نيوز
من قريةٍ كانت مساحةً للاستقرار والعيش، إلى بلدةٍ باتت شوارعها تفتقد جزءًا كبيرًا من أهلها، بعدما أصبح عدد العائلات المقيمة فيها محدودًا، وتحول كثيرون من أبنائها إلى زوّار يأتون إليها في زيارة أسبوعية، لا لأنهم اختاروا الرحيل، بل لأن الحرب الأخيرة فرضت عليهم واقعًا جديدًا.
في الجنوب اللبناني، لم تكن بلدة ميفدون -تلك القرية المجاورة لمدينة النبطية وبلدات زوطر الشرقية وشوكين وقعقعية الجسر- مجرّد بلدةٍ مرّت عليها الحرب، بل كانت من القرى التي حملت النصيب الأكبر من آثارها، بعدما غيّرت الحرب ملامح المكان، وخلّفت ندوبًا عميقة في حياة أبنائها، تاركةً وراءها مجتمعاً أنهكته الحرب.
وعلى الرغم من حجم الأضرار الجسيمة التي لحقت بالبلدة، بقيت سواعد الأهالي العنوان الأبرز لهذه الحكاية، إذ حمل أبناؤها مسؤولية النهوض ومحاولة إعادة الحياة إلى ما تضرّر، في صورة تختصر صمود مجتمعٍ رفض أن يبقى أسيرًا للدمار.
وبين البيوت التي لامستها النيران، والطرقات التي أثقلتها آثار العدوان، يعيش أبناء ميفدون اليوم تفاصيل مرحلةٍ جديدة يحاولون فيها استعادة نبض الحياة، في ظلّ واقع مرير ومساعدات ضئيلة جداً.
رئيس البلدية: الاستجابة للمناشدات "لا حياة لمن تُنادي"
في حديثٍ لـ"الأفضل نيوز" أكد رئيس بلدية ميفدون، الأستاذ علي جابر، أنّ البلدة تُعدّ من القرى المنكوبة، ولا سيّما أنّها تعرّضت خلال الحرب الأخيرة لغاراتٍ عنيفة خلّفت دمارًا واسعًا في أبنيتها السكنية.
وأشار إلى أنّ هذه الاعتداءات أدّت إلى تدمير نحو ٤٧٠ وحدة سكنية بشكلٍ كامل، إضافةً إلى ما بين ١٠٠٠ و١٥٠٠ وحدة سكنية أخرى تعرّضت لهدمٍ جزئي وأضرارٍ متفاوتة.
وأضاف جابر أنّ الأضرار لم تقتصر على المنازل فقط، إذ طال الدمار مبنى البلدية ومركز الدفاع المدني، إلى جانب مستوصفين في البلدة، حيث تضرّرت جميعها بشكلٍ كامل، موضحاً أنّه، رغم توجّه البلدية بعددٍ من المناشدات إلى فخامة رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس الوزراء، ووزير الداخلية، ووزير الصحة، للمساعدة في معالجة آثار هذا الدمار، فإنّ هذه المطالبات لم تلقَ حتى الآن الاستجابة المطلوبة فـ "لا حياة لمن تنادي" حسب تعبيره.
كما أكد جابر أنّ البلدية تعمل"باللحم الحيّ" وبالإمكانات المحدودة، إلى جانب مساعدة عددٍ قليل من الخيرين في البلدة الذين ساهموا في مواجهة تداعيات الحرب، مشيرًا إلى أنّ حجم الأضرار في القرية يفوق قدرة أي بلدية على معالجته في ظلّ الظروف الراهنة.
وعلى الرغم من حجم الأضرار، أوضح أنّ الحياة بدأت تعود تدريجيًا إلى جزءٍ كبير منها، بعد العمل على تجهيز الطرقات وتأمين المياه وجزءٍ من التيار الكهربائي، إضافةً إلى بعض الخدمات الأساسية، ما سمح بعودة نحو ٣٠٠ عائلة تقريبًا إلى الاستقرار فيها. كما لفت إلى أنّ عددًا من المنشآت الحيوية ما تزال متضرّرة، ولا يمكن إصلاحها في الوقت الحالي بانتظار وعود الجهات المعنية، التي كذلك الأمر لم تتلق حتى الآن أي استجابات.
"العودة ليست سهلة"
شرح أحد أبناء القرية أنّ العودة والاستقرار الكامل في ميفدون ليسا بالأمر السهل في ظلّ الأوضاع الراهنة، موضحًا أنّ قرار العودة لا يرتبط فقط بالحنين إلى البلدة أو بالرغبة في الرجوع إليها، بل بقدرة العائلات على تأمين مقومات العيش وإعادة ترميم منازلها.
وأضاف: "منزلنا تعرّض لدمارٍ كبير خلال الحرب، ولا نملك اليوم كلفة ترميمه، خصوصًا أنّ أي جهة لم تبدأ حتى الآن بتعويض المتضررين. لذلك، فإنّ قرار الاستقرار في البلدة ما يزال مستبعدًا في الوقت الحالي، ولسنا وحدنا في هذا الواقع، بل هناك الكثير من العائلات التي تعيش الظروف نفسها."
في المحصلة، الخوف لم ولن يمنع أبناء ميفدون من العودة، لا الخوف من المجهول ولا الخوف من الأوضاع الراهنة، فالعودة إليها ليست خيارًا بل حاجة لا يمكن التخلي عنها…

