د. علي دربج - كاتب وأستاذ جامعي-خاصّ الأفضل نيوز
في الوقت الذي تنشغل عدسات العالم برصد الموانئ العملاقة ومحطات الطاقة، تكتب الصين قصة نفوذ مختلفة تمامًا في الحديقة الخلفية لأمريكا؛ فلم يعد تمددها يُقاس بلغة المليارات، بل بكاميرا معلّقة على عمود إنارة، وغرفة عمليات طوارئ تديرها بكين من بعيد؛ فبينما تراقب واشنطن الموانئ وشبكات الجيل الخامس، تتسلل بكين بهدوء إلى ما هو أعمق بكثير: مفاصل الدولة اليومية التي تدير حياة المواطن العادي.
من دبلوماسية القروض إلى هندسة النفوذ
ضع في اعتبارك أنه حتى عام 2010، كانت بكين تضخ في المنطقة قروضًا سيادية ضخمة بلغت ذروتها عند 25 مليار دولار في تلك السنة وحدها، قبل أن يتراجع متوسط الإقراض السنوي إلى 1.3 مليار دولار فقط خلال السنوات الأخيرة.
لكن مهلاً، فهذا التراجع لم يكن انسحابًا، إنما تغيير ذكي في الأداة نفسها: الاستحواذ المباشر على شركات كهرباء ومناجم وعقود خدمات صغيرة بعيدة عن الأضواء، حتى بلغت استثمارات الشركات الصينية عام 2024 وحده، حوالي 8.5 مليارات، على ذمة مجلة Foreign Affairs.
الكاميرات قبل البنادق.
وإذا كان الاقتصاد هو الباب الأول لهذا النفوذ، فإن الأمن أصبح بابه الأخطر بلا منازع، ففي الإكوادور، موّلت بكين نظام الطوارئ الوطني بقرض قيمته 240 مليون دولار، ثم أهدت الجيش عشرة آلاف بندقية آلية، وفي ريو دي جانيرو، وقّعت الولاية صفقة لتوريد أكثر من 27 ألف كاميرا مراقبة صينية الصنع، بينما اشترت مدينة سيوداد خواريز المكسيكية ألف كاميرا للتعرف على الوجوه من الشركتين ذاتهما، المدرجتين على القائمة السوداء الأمريكية.
أما الأرجنتين، فتكشف المؤشر الأوضح: بحلول عام 2018، كانت الصين تستحوذ على 62% من واردات معدات المراقبة فيها، مقابل5% فقط، لصالح الولايات المتحدة، بينما اليوم، باتت 35 مدينة في القارة تعمل بأنظمة مراقبة صينية الصنع بشكل كامل (الأرقام هنا تعود للمجلة ذاتها).
عندما يصبح الانفصال عن الصين شبه مستحيل
في الحقيقة، لم تكتفِ الصين ببيع المعدات، بل ربطتها بمنظومة تعاون متكاملة، إذ وقعت بكين اتفاقيات أمنية مع 74 دولة، وأبرمت أكثر من 200 اتفاقية، كما دربت ما يزيد على 12 ألف ضابط أجنبي منذ عام 2000، هذا إلى جانب توقيع نحو 180 اتفاقية توأمة مع مدن في 17 دولة في أمريكا اللاتينية، وفقًا لمجلة Americas Quarterly.
من هنا، لم تعد الكاميرات أو أنظمة الطوارئ مجرد معدات، لكن أصبحت بنية تحتية يصعب استبدالها، لأن صيانتها وقطع غيارها وتحديثاتها تبقى مرتبطة بالشركات الصينية، ما يمنح بكين نفوذًا طويل الأمد.
في المحصّلة:
نجحت بكين في تحويل العقود الصغيرة إلى شبكة تأثير استراتيجية يصعب تفكيكها، فيما تجد واشنطن نفسها أمام نموذج جديد للمنافسة، لم تعد فيه القوة تُقاس بحجم المشروع، بل بعمق التغلغل داخل الدولة نفسها.

