لانا حيدر - خاص الأفضل نيوز
المياه… ليست مجرد مورد طبيعي، بل شريان الحياة الذي تقوم عليه المجتمعات والزراعة. إلا أن هذا الشريان لم يعد يتدفق بالوتيرة نفسها في عدد من مناطق البقاع، حيث يواجه السكان تحديات متزايدة في الحصول على مياه الشرب، خاصة خلال فصل الصيف. ومن بين البلدات التي تجسد هذه المعاناة، تبرز عيثا الفخار. وبرغم وجود مشاريع مائية وخزانات وآبار ارتوازية أُنشئت على مدى سنوات، فإن تراجع معدلات الأمطار، وانخفاض منسوب الينابيع، ومشكلات التغذية، جعل تأمين المياه تحديًا يوميًّا ينعكس على حياة الأهالي والقطاع الزراعي. فكيف تبدو حقيقة الواقع؟ وما الجهود المبذولة لمعالجة هذه المشكلة؟
تُعد عيثا الفخار من البلدات التي اعتمدت منذ سنوات على الينابيع الطبيعية والآبار الارتوازية لتأمين احتياجاتها من المياه، كما شهدت تنفيذ عدد من المشاريع المائية، شملت إنشاء خزانات، وصيانة مصادر المياه، وتطوير شبكات التوزيع. إلا أن تراجع معدلات الأمطار خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب تحديات التغذية، أدى إلى انخفاض كميات مياه الشرب، ما جعل تأمين المياه يشكل تحديًا متكررًا، لا سيما خلال فصل الصيف.
البلدية: المشكلة في التغذية وليست في غياب مصادر المياه
أوضح رئيس بلدية عيثا الفخار، للأفضل نيوز، ديب برهوم، أن البلدة لا تعاني من أزمة مياه بالمعنى الكامل، بل من مشكلة في التغذية من قبل مؤسسة مياه البقاع، ولا سيما من محطة قلعة الجبّار.
وأشار إلى أن ساعات التغذية وأعمال الصيانة ليست بالمستوى المطلوب، مؤكدًا أن البلدية تتابع الملف مع مؤسسة مياه البقاع ووزارة الطاقة والمياه والجهات المعنية، بهدف تحسين التغذية وتأمين ساعات كهرباء إضافية لتشغيل المحطات.
وأضاف برهوم أن المشكلة تظهر بشكل أكبر خلال فصل الصيف، بينما تكون التغذية أفضل في فصل الشتاء، لافتًا إلى أن هذه المشكلة قديمة ومزمنة وليست وليدة اليوم. كما أشار إلى أن البلدية تعمل مع مؤسسة مياه البقاع على تفعيل الجباية، وأن عددًا كبيرًا من المواطنين سددوا الرسوم، إلا أن مشكلة ساعات التغذية لا تزال قائمة.
وفيما يتعلق بالقطاع الزراعي، أوضح برهوم أن تأثير المشكلة موجود إلى حدٍّ ما، إلا أن العديد من أصحاب الأراضي الزراعية الكبيرة يعتمدون على الآبار الخاصة لري محاصيلهم، ما خفف من حجم الأضرار.
ودعا برهوم الجهات المعنية إلى تحسين الخدمات في المنطقة، مؤكدًا أن عيثا الفخار تحتاج إلى اهتمام أكبر، وأن أبناءها يستحقون الحصول على الخدمات الأساسية أسوةً بباقي المناطق.
واقع المياه من الناحية الفنية
وللوقوف على الجوانب الفنية للمشكلة، كان لا بد من الاستماع إلى القائمين على إدارة وتشغيل شبكة المياه، لمعرفة الأسباب التقنية التي أدت إلى تراجع كميات مياه الشرب وآلية توزيعها بين أحياء البلدة.
وفي هذا الإطار، أوضح مسؤول الصيانة الفنية في مياه عيثا الفخار، مشهور ناصر، لموقعنا، أن البلدة تعتمد بشكل أساسي على نبع مصاول لتأمين مياه الشرب، غير أن تراجع كميات الأمطار عامًا بعد عام أدى إلى انخفاض منسوب المياه التي يتم جمعها في خزانات الجمع التابعة للنبع بشكل ملحوظ، ما تسبب في تراجع كميات المياه المتوفرة للشرب.
وأضاف أن الاعتماد بات أكبر على الآبار الارتوازية، إلا أن نتائج الفحوصات أظهرت أنها غير صالحة للشرب بسبب احتوائها على ملوثات صحية، ويمكن استخدامها فقط للأعمال المنزلية والاستخدام اليومي.
وأشار ناصر إلى أن المياه تصل إلى المشتركين كل 48 ساعة، وفق برنامج توزيع يختلف بين الأحياء، لافتًا إلى أن البلدة تضم عدة أحياء، أبرزها الحي الرئيسي وحي قلعة الجبّار، ما يتطلب تنظيمًا في عملية التوزيع.
وأكد أن السبب الرئيسي لتراجع نوعية وكميات مياه الشرب يعود إلى انخفاض معدلات الأمطار، الأمر الذي أدى إلى تراجع تدفق مياه نبع مصاول، وهو المصدر الأساسي لمياه الشرب في البلدة، ما فرض الاعتماد على مصادر بديلة لا تصلح للشرب بصورة دائمة.
لجنة المياه… جهود مستمرة ومشاريع للمستقبل
ولا تقتصر معالجة مشكلة المياه على الجوانب الفنية فحسب، بل تمتد أيضًا إلى الجهود التي تبذلها لجنة المياه في متابعة مصادر المياه وصيانتها، والعمل على تطوير المشاريع التي تسهم في تحسين التغذية وضمان استمرارية الخدمة.
من جهته، أوضح عضو لجنة المياه وأمين الصندوق في لجنة المياه في البلدة، جورج الغريب، لموقعنا، أن اللجنة تعمل على تأمين وصول المياه إلى جميع السكان بشكل منتظم ونظيف، مشيرًا إلى أن من أبرز أهدافها صيانة مصادر مياه الشرب، سواء كانت ينابيع طبيعية أو آبارًا ارتوازية، واستثمار الموارد المائية بأفضل السبل، إلى جانب المحافظة على نظافتها.
وأضاف الغريب أن اللجنة كانت تجري سنويًّا فحوصات بيولوجية وكيميائية للمياه في مختبر تل عمارة في زحلة، للتأكد من جودتها وصلاحيتها، لافتًا إلى أن معاناة الأهالي تزداد خلال فصل الصيف، لا سيما أصحاب المزروعات الذين يعتمدون على المياه في ري محاصيلهم.
وأشار عضو اللجنة إلى أن التعاون بين لجنة المياه ومؤسسة مياه البقاع شهد تحسنًا في الفترة الأخيرة، بعد انقطاع ساد في السنوات الماضية، موضحًا أن اللجنة تعمل بموجب مرسوم جمهوري يعود إلى عهد الرئيس كميل شمعون.
وكشف الغريب أن اللجنة تسعى، في حال الحصول على دعم من إحدى الجهات أو المنظمات، إلى حفر بئر ارتوازية ثالثة، في خطوة من شأنها تحسين واقع المياه في البلدة والتخفيف من النقص خلال فترات الذروة.
تبقى المياه في عيثا الفخار أكثر من مجرد خدمة؛ فهي أساس الحياة واستمرار الزراعة في البلدة. وبين الواقع الحالي والوعود بالمشاريع المستقبلية، يبقى الأمل معقودًا على خطوات عملية تضمن وصول المياه إلى كل منزل، وتحافظ على هذا المورد الحيوي للأجيال القادمة.

