طارق ترشيشي_خاص الأفضل نيوز
ما أعلنه الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم في إطلالته الأخيرة لم يكن مجرد موقف بروتوكولي يتعلق بإمكان عقد لقاء علني مع الرئيس السوري أحمد الشرع عندما يراه الطرفان مناسباً، بل حمل في مضمونه رسالة سياسية تتجاوز إطار العلاقات الثنائية، لتلامس طبيعة المرحلة الجديدة التي دخلتها المنطقة بعد التغيير الذي شهدته سوريا، وما يفرضه ذلك من إعادة قراءة للتحالفات والخصومات والمصالح.
فحين يؤكد قاسم أنه "لا يوجد أي مانع من اللقاء العلني مع القيادة السورية"، ويشدد في الوقت نفسه على أهمية العلاقة الأخوية والتعاونية بين لبنان وسوريا، وأن كلا البلدين سند للآخر، فإنه يفتح الباب أمام انتقال العلاقة من مرحلة الصمت والحذر إلى مرحلة الاعتراف المتبادل بضرورة الحوار، مهما بلغت تعقيدات الماضي وتشابكت حساباته.
ولا شك في أن العلاقات بين حزب الله والقيادة السورية الجديدة مرت بمرحلة هي الأكثر تعقيداً منذ تأسيس الحزب. فالتغيير الذي شهدته دمشق لم يكن مجرد انتقال للسلطة، بل جاء بعد سنوات من حرب داخلية غيّرت البنية السياسية والأمنية السورية، وأعادت صوغ أولويات الدولة الجديدة وعلاقاتها العربية والإقليمية والدولية.
ولذلك، فإن السؤال لم يعد: هل يمكن أن تقوم علاقة بين الطرفين؟ بل أصبح: أي علاقة ستكون؟ وما حدودها؟ وما طبيعة المصالح التي يمكن أن تجمعهما؟
الواقع أن السياسة في الشرق الأوسط لا تعرف الفراغ. فالجغرافيا تفرض نفسها قبل الأيديولوجيا، والمصالح الوطنية كثيراً ما تتقدم على ذاكرة النزاعات. وسوريا، أياً تكن طبيعة السلطة القائمة فيها، تبقى الجار الأكثر تأثيراً في لبنان، كما يبقى لبنان جزءاً من البيئة الاستراتيجية لسوريا، بحكم التاريخ والحدود والتداخل الاقتصادي والاجتماعي والأمني.
ومن هذا المنطلق، يبدو أن موقف الشيخ نعيم قاسم يعكس إدراكاً بأن المرحلة الراهنة تقتضي اعتماد مقاربة أكثر براغماتية، تقوم على الفصل بين الخلافات السابقة وإمكان بناء قنوات تواصل تخدم الاستقرار ومصالح البلدين.
وفي المقابل، تبدو القيادة السورية الجديدة أمام معادلة معقدة. فمن جهة، تسعى إلى تثبيت شرعيتها الداخلية والانفتاح على محيطها العربي والمجتمع الدولي، وهو ما قد يدفعها إلى اتباع سياسة خارجية أكثر توازناً. ومن جهة أخرى، لا تستطيع تجاهل أن استقرار حدودها الغربية، والعلاقة مع لبنان بكل مكوناته، يمثلان عنصراً مهماً في أمنها الوطني. لذلك، قد لا يكون مستغرباً أن تتجه العلاقة، إذا تطورت، نحو صيغة تقوم على الواقعية السياسية أكثر من قيامها على التحالفات التقليدية أو الاصطفافات الإقليمية السابقة.
كما أن تطورات الإقليم تدفع في هذا الاتجاه. فالمشهد الشرق أوسطي يشهد تغيرات متسارعة، من إعادة ترتيب العلاقات بين عدد من الدول العربية، إلى استمرار التوتر بين إيران والولايات المتحدة الأميركية، وصولاً إلى الحرب في غزة وما رافقها من تداعيات على لبنان وسوريا وسائر المنطقة. وفي ظل هذا الواقع، تبدو الحاجة إلى إدارة الخلافات والحفاظ على قنوات التواصل أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. لكن نجاح أي تقارب محتمل لن يكون رهناً بالرغبة السياسية وحدها، بل سيتوقف على قدرة الطرفين على بناء الثقة تدريجياً، وإدارة الملفات الحساسة بروح واقعية، بعيداً عن منطق الغلبة أو استحضار سجالات الماضي.
فالعلاقات بين الدول والقوى السياسية لا تُبنى على العواطف، بل على تقاطع المصالح، واحترام الخصوصيات، وإدراك أن استقرار المنطقة يحتاج إلى الحد الأدنى من التفاهم بين القوى الفاعلة فيها.
ويبقى أن موقف الشيخ نعيم قاسم يمكن قراءته بوصفه إشارة إلى استعداد حزب الله لفتح صفحة جديدة مع دمشق إذا توافرت الظروف المناسبة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن الطريق بات معبداً أو أن كل العقبات قد زالت. فالانتقال من الرسائل الإيجابية إلى العلاقات المؤسسية يحتاج إلى وقت، وإلى إرادة متبادلة، وإلى ظروف إقليمية تسمح بتحويل النيات إلى خطوات عملية.
وفي اي حال يبدو أن العلاقة بين حزب الله والقيادة السورية الجديدة تقف اليوم عند مفترق طرق. فهي ليست محكومة بالقطيعة الدائمة، ولا مضمونة العودة إلى الصيغ السابقة. وإنما ستتشكل وفق موازين القوى الجديدة، والمصالح المتبادلة، وقدرة الطرفين على التكيف مع شرق أوسط يتغير بسرعة، حيث أصبحت البراغماتية السياسية، أكثر من أي وقت مضى، شرطاً أساسياً للبقاء والتأثير.

