محمد علوش - خاصّ الأفضل نيوز
هل نحن أمام إعادة تموضع جغرافي وديموغرافي للطائفة الشيعية في لبنان؟ سؤال له ما قبله وما بعده، رغم أن ما يجري اليوم لا يبدو أنه نتيجة مشروع اجتماعي مخطط له، بل يتشكل تدريجياً تحت ضغط الأمن والاقتصاد وتبدل شروط الحياة اليومية.
هذه ربما تكون النقطة الأكثر أهمية في قراءة التحولات التي بدأت تظهر بوضوح في الجنوب والضاحية الجنوبية لبيروت، وبعض المناطق التي شكّلت تاريخياً مراكز الثقل السكاني والاقتصادي والاجتماعي للبيئة الشيعية، المسألة لا تتعلق فقط بعائلات تغادر منازلها أو بأفراد يبحثون عن مناطق أكثر أمناً، ما يجري أوسع من ذلك، فحين تبدأ المدارس والحضانات والمؤسسات التجارية وأصحاب المهن وأصحاب الأعمال الصغيرة والمتوسطة بنقل نشاطهم، أو حين يقرر الأهل تسجيل أولادهم في مدارس تقع خارج مناطقهم الأصلية، وحين يختار أصحاب رؤوس الأموال عدم الاستثمار في مناطق يعتبرونها معرضة للاضطراب الأمني، فإننا نكون أمام بداية تغيير في الخريطة الاجتماعية اللبنانية.
النزوح في هذه الحالة لا يكون بالضرورة نزوحاً جماعياً أو نهائياً، وقد يبدأ تحت عنوان النزوح المؤقت، كأن تستأجر عائلة منزلاً في منطقة أخرى، أو ينتقل طالب إلى مدرسة خارج الضاحية أو النبطية، أو يفتح طبيب عيادته في منطقة أكثر استقراراً، شركة تنقل مكتبها، صاحب متجر يقرر توسيع نشاطه في منطقة أخرى، أو شاب يختار السكن قرب مكان عمله بدلاً من العودة يومياً إلى منطقة تشهد توتراً أمنياً، ولكن تراكم هذه القرارات الفردية، يمكن أن ينتج تحوّلاً ديموغرافياً كبيراً من دون أن يكون أحد قد اتخذ قراراً مركزياً بهذا الاتجاه، وهذا ما يحصل اليوم ببساطة.
كذلك فإن الأخطر أن هذا التحول لا يحصل فقط بسبب الخوف من الحرب المباشرة، لأن القلق الأمني المستمر بحد ذاته أصبح عاملاً اقتصادياً واجتماعياً، فالمستثمر لا يحتاج إلى حرب فعلية حتى يقرر عدم الاستثمار إذ يكفيه أن يشعر بأن احتمال الحرب موجود، أو أن المنطقة قد تصبح في أي لحظة ساحة مواجهة، لكي يبحث عن بيئة أكثر استقراراً، والأهل لا يحتاجون إلى التعرض المباشر للخطر حتى يعيدوا التفكير بمكان إقامة أولادهم ومناطق دراستهم، إذ يكفي أن يصبح العامل الأمني حاضراً عند اختيار المدرسة أو المنزل أو مكان العمل.
في النبطية أقفلت المدرسة الإنجيلية أبوابها، ونقلت مدرسة أجيال إلى صيدا، ولا يبدو أن طلاب الليسيه -حبوش بصدد التسجيل في البلدة وخيارهم قد يكون التوجه إلى بيروت بعد أن عرضت إدارة عليهم مبنى قرب الليسيه- فردان، وهذه أمثلة على أزمة المدارس، مثلها أزمة الحضانات، والمحال التجارية التي أقفلت أبوابها في النبطية. انتقلت إلى صيدا ومحيطها، وعندما تغادر مدرسة أو حضانة أو مؤسسة تجارية منطقة ما، فإنها تسحب معها جزءاً من الحياة الاجتماعية.
يؤدي القلق الأمني إلى تراجع الاستثمار، وتراجع الاستثمار يؤدي إلى ضعف النشاط الاقتصادي، وضعف النشاط الاقتصادي يدفع أصحاب الكفاءات والأعمال إلى البحث عن مناطق أخرى، ثم يؤدي خروج هؤلاء إلى مزيد من التراجع في المنطقة الأصلية. ومع الوقت نصبح أمام إعادة توزيع للموارد البشرية والاقتصادية داخل الجغرافيا اللبنانية.
وقد تكون إحدى النتائج بعيدة المدى لما يحصل هي نشوء جغرافيا شيعية أكثر انتشاراً وأقل تمركزاً، وهذا لا يعني بالضرورة تفككاً اجتماعياً أو تراجعاً في الانتماء الطائفي في المرحلة الأولى، ولكن في المقابل، فإن فقدان بعض المناطق لكتلتها الاقتصادية والتعليمية والطبقة الوسطى فيها يمكن أن يغيّر طبيعة هذه المناطق جذرياً، فإذا كان الجنوب بالنسبة إلى البيئة الشيعية هو مساحة تاريخية واجتماعية وذاكرة جماعية، فإن استمرار النزوح الاقتصادي والأمني منه يمكن أن ينتج، مع الوقت، انفصالاً بين مركز الثقل الاقتصادي الجديد وبين الجغرافيا التاريخية للطائفة، بينما في الضاحية الجنوبية فإن بقاء جزء من الكثافة السكانية، مقابل خروج جزء من النشاط الاقتصادي سيؤدي إلى إضعاف مجتمعها وتحوله إلى نتائج سلبية على المدى المتوسط نتيجة غياب العمل وفرصه.
في النهاية، قد لا تستطيع السياسة أن تمنع الناس من البحث عن حياة أكثر أمناً، فهذا حق كل إنسان، لكنها تستطيع أن تمنع الخوف من أن يتحول إلى قوة تعيد رسم الجغرافيا الاجتماعية في لبنان، وما على النخب السياسية الشيعية تحديدا سوى أن تقرأ هذا التحول وتحديد كيفية التعامل معه لكي لا يؤدي إلى تغيير جذري في الديمغرافيا اللبنانية.

