د. علي دربج ـ-خاصّ الأفضل نيوز
لم يعد بنيامين نتنياهو يعد الإسرائيليين بانتصار يحسم المواجهة، بل بات يهيئهم لحروب لا تنتهي . فبعد ثلاث سنوات من النار، تحولت الضربات الاستباقية والاستيلاء على أراضٍ في جنوب لبنان وسوريا وغزة والضفّة الغربية، تحت مسمى "مناطق أمنية"، إلى عقيدة معلنة، تقوم على مهاجمة كل خطر محتمل مهما كانت العواقب.
لكن مهلًا، ما يقدمه نتنياهو إنجازًا، ترك الجيش بلا وقت كافٍ للتدريب، وأجبر جنود الاحتياط على الخدمة أكثر من 100 يوم سنويًا، فيما ابتلعت العمليات نحو 142 مليار دولار، أي ما يزيد على نصف الموازنة السنوية للبلاد، فضلًا عن الضرر الهائل الذي أصاب صورتها في العالم.
نتنياهو يتراجع... ونهجه يتجذّر
في الواقع، تظهر استطلاعات الرأي الأخيرة، صعوبة تَمكُّنِ نتنياهو من تشكيل ائتلاف بعد انتخابات 27 تشرين الأول، مقابل تقدم غادي آيزنكوت، رئيس الأركان السابق، بصفته الأقدر على تولي رئاسة الوزراء. غير أن خسارة زعيم "الليكود"، إذا وقعت، لا تعني نهاية "النتنياهوية"؛
فالمجتمع الإسرائيلي اتجه بقوة نحو اليمين، وغالبية اليهود ترفض إقامة دولة فلسطينية، وتؤيد استخدام القوة لإحباط الأخطار. الجديد هنا أن شريحة واسعة تريد النهج نفسه تقريبًا، إنما بقيادة أخرى.
الضفة... المستوطنون يمسكون بالزناد والقرار.
وسط هذه التغيرات التي تعصف بالمجتمع الإسرائيلي، قد لا يكون التحدي الأصعب أمام آيزنكوت في غزة أو لبنان، بل في الضفة الغربية. فمنذ عام 2023، أُنشئت أو بدأ تشييد أكثر من 200 مستوطنة وبؤرة جديدة، بالتوازي مع صعود مجموعة عنيفة تضم قرابة ألف مستوطن مسلح، والأكثر أهمية أن قادتهم لم يعودوا يمارسون الضغط على المؤسسة العسكرية من الخارج فقط، بل باتوا يؤثرون في قرارات ضباطها وإدارتها للأراضي الفلسطينية.
وبناء على ذلك، قد يستطيع آيزنكوت تجميد التوسع العمراني، وملاحقة المعتدين عبر الاعتقال الإداري وتحقيقات الشرطة و"الشاباك". غير أن المهمة لن تكون سهلة، لأن تركيبة الجيش تبدلت، وأصبح عدد من عناصره أكثر قربًا من المستوطنين واليمين الديني. وعليه، قد يحول أي قرار بإخلاء بؤر غير قانونية المسألة من اختبار أمني إلى مواجهة داخل الدولة نفسها.
غزة ولبنان... إغلاق الجبهات بشروط
ضع في اعتبارك، أن وصول آيزنكوت إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية، لن يقود إلى انقلاب شامل في السياسة الخارجية. فهو يعارض قيام دولة فلسطينية، ويرفض بقاء «حماس» قوة مسلحة، لكنه لم يَعِد يومًا بـ"نصر مطلق". لذا، قد يقبل بإشراك تدريجي للسلطة الفلسطينية، تحت إشراف دولي، في الجزء غير المحتل من القطاع، مع احتفاظ إسرائيل بحزام واسع تحت سيطرتها.
وعلى المنوال ذاته، من المرجّح أن يضع آيزنكوت شروطًا صارمة لنزع سلاح "حزب الله"، لكنه يفضّل إنهاء المواجهات على إبقاء لبنان ساحة مشتعلة إلى أجل غير محدد. وهذا الأمر قد ينسحب على سوريا، من خلال مقايضة الانسحاب من الأراضي التي احتُلّت عام 2024، بترتيبات أمنية وتطبيع جزئي مع دمشق.
ترامب... مفتاح إطفاء النار
في المحصّلة
لا يحمل آيزنكوت مشروع سلام، بل فرصة للانتقال من الحرب الدائمة إلى صراعات قابلة للإغلاق. بيد أن نجاحه سيبقى مرتبطًا بواشنطن، فإذا أراد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تسجيل إنجاز دبلوماسي في غزة أو لبنان، فقد يمنح القيادة المقبلة الغطاء اللازم للتراجع. أما إذا ابتعد، فقد يغادر «بيبي" وتبقى "النتنياهوية" تحكم إسرائيل.

