محمد علوش -خاصّ الأفضل نيوز
بعد إقرار مبدأ الدفعات الأربع، لم تعد المشكلة في ملف التفرغ في الجامعة اللبنانية مرتبطة بمبدأ التفرغ نفسه، بقدر ما باتت مرتبطة بالإخراج الذي سينقل الملف من الشق النظري إلى دائرة التنفيذ، وبالسؤال عن مصير مئات الأساتذة المتعاقدين إذا اختارت الحكومة معالجة جزء منه اليوم وترك الباقي إلى قرارات سياسية وحكومية لاحقة،
لهذا تحديداً يتحرك الأساتذة المتعاقدون بالتزامن مع جلسة مجلس الوزراء، إذ إن الخشية الأساسية لديهم بحسب معلومات "الأفضل نيوز" ليست من عدم إقرار التفرغ وحسب، بل من إقرار أسماء الدفعة الأولى وحدها، مقابل ترك الدفعات الثلاث المتبقية بلا أسماء مثبتة ومقرة منذ الآن ما يعني عدم وجود حق مثبت لأي أستاذ في المرحلة المقبلة.
المشكلة في هذه الصيغة أنها لا تعني عملياً تقسيم تنفيذ التفرغ على مراحل فقط، بل تقسيم القرار نفسه على مراحل. والفارق بين الأمرين كبير، إذ يمكن للدولة أن تقر اليوم أسماء جميع المستحقين، ثم توزع عملية تفرغهم على أربع دفعات بحسب قدرة الجامعة والإمكانات المتاحة، فتكون بذلك قد حسمت الملف وثبتت الحقوق وأبقت التنفيذ تدريجياً. أما إقرار أسماء الدفعة الأولى وحدها، فيعني أن كل دفعة لاحقة ستحتاج عملياً إلى معركة جديدة، وإلى قرار جديد، وستصبح عرضة في كل مرة للظروف السياسية والتوازنات والحسابات التي ستكون قائمة حينها.
ومن هنا تأتي خشية ثانية بدأت تكبر لدى المتعاقدين، وترتبط بارتفاع مستوى التدخلات الطائفية في الملف، وصولاً إلى المطالبة بأن تقوم الدفعة الأولى على المناصفة بين الأساتذة؛ فالمشكلة هنا لا تتعلق برفض تمثيل أي طائفة أو فئة، بل بالسؤال عن المعيار الذي يفترض أن يحكم ملفاً أكاديمياً بهذا الحجم، وهل تكون الأولوية للكفاءة والحاجة والأقدمية والمعايير الجامعية، أم تصبح هوية الأستاذ الطائفية مدخلاً أساسياً لتحديد من يتفرغ أولاً ومن ينتظر؟
هذا السؤال يصبح أكثر حساسية إذا كان المطروح فعلاً حصر القرار بالدفعة الأولى، لأن الجمع بين الأمرين، أي إقرار دفعة واحدة وإخضاع تشكيلها لتوازنات طائفية، يعني عملياً أن المنافسة لن تعود بين أساتذة تنطبق عليهم معايير أكاديمية ومهنية واضحة، بل ستنتقل إلى داخل عملية توزيع المقاعد نفسها. وعندها لن يكون الخلاف فقط حول عدد الذين سيتفرغون هذه السنة، وإنما حول الأساس الذي سيُبنى عليه الملف كله للسنوات المقبلة.
لذلك يطرح المتعاقدون صيغة مختلفة تبدأ بإقرار أسماء الدفعات الأربع كاملة مرة واحدة، على أن يجري التفرغ تدريجياً، دفعة أو دفعتين في كل عام. بهذه الطريقة لا تُلزم الدولة نفسها بتنفيذ التفرغ للجميع فوراً، لكنها في المقابل تمنع إبقاء ثلاثة أرباع الملف، أو جزء كبير منه، معلّقاً على الحكومات والقرارات والتوازنات المقبلة.
من هنا ينتظر المتعاقدون ما سيخرج عن مجلس الوزراء اليوم بعد اجتماع ضم أمس وزيرة التربية ووزير المالية ورئيس الجامعة حيث لم تكن التصريحات مريحة للمتعاقدين الذين يضغطون باتجاه تثبيت حقوقهم وإلا العودة للتحرك والإضراب والتظاهر، فهل ستقر الحكومة ملفاً متكاملاً وتوزع تنفيذه زمنياً، أم ستقر دفعة أولى وتترك الباقين أمام مجهول جديد؟

