د. علي دربج ــ خاصّ الأفضل نيوز
ثمانون في المئة من خسائر أوكرانيا تقع أثناء انتقال جنودها بين المواقع، حتى إن بعضهم يصل إلى الجبهة ثم يبقى تحت الأرض أشهرًا خوفًا من الظهور. والأخطر أن وحدات أوكرانية باتت تتوقف عن البحث عن أهداف روسية جديدة، لا لأنها عاجزة عن اكتشافها، بل لأنها لا تملك مسيّرات تكفي لضرب الأهداف المحددة أصلًا.
هكذا تنتقل الحرب من سباق على الابتكار إلى معركة مصانع، بدأت روسيا تكسبها بالقوة والسرعة والكمية.
هذا التحذير أطلقه إريك شميدت، الرئيس التنفيذي ورئيس مجلس الإدارة السابق لشركة «غوغل»، ورئيس «مشروع الدراسات التنافسية الخاصة»، بعد زيارة جديدة لأوكرانيا، حيث ساعد جيشها في تطوير تقنيات قتالية متقدمة، وفي مقال نشرته «واشنطن بوست»، قال إنه عاد هذه المرة أكثر قلقًا من أي وقت منذ بداية الغزو.
موسكو والتفوق في سباق الابتكار
في الواقع، صمدت أوكرانيا لأن مهندسيها كانوا يطورون سلاحًا، ويختبرونه على الجبهة، ثم يعدّلونه خلال أسابيع، متفوقين على البيروقراطية العسكرية الروسية الثقيلة، لكن مهلًا، هذه الأفضلية تتآكل سريعًا.
فعندما ابتكرت كييف طائرات اعتراضية لإسقاط أسراب مسيّرات «شاهد»، نشرت موسكو نسخًا أسرع تعمل بمحركات نفاثة ويصعب اعتراضها. كما تعمل روسيا، بحسب شميدت، على إطلاق كوكبة أقمار اصطناعية تنافس «ستارلينك»، التي تعتمد عليها الوحدات الأوكرانية في توجيه مسيّراتها، وبذلك، لم تعد موسكو تواجه الابتكار الأوكراني بكتلتها الصناعية فقط، بل أضافت إليه ابتكاراتها الخاصة.
جبهة بلا جنود ظاهرين
عمليًا، تغير شكل المعركة بالكامل؛ فالقادة يجلسون عميقًا تحت الأرض لمراقبة بث المستشعرات، بينما تنفذ آلاف المركبات غير المأهولة الاستطلاع، وتنقل الإمدادات، وتطارد الجنود والآليات، وقد تكون المسيّرة فعالة اليوم، ثم تصبح عديمة الجدوى خلال أشهر، بعدما يغيّر العدو تردداته أو يطور جهاز تشويش أو طائرة اعتراضية أسرع.
وهنا تكمن العقدة: المسيّرة المتطورة المصنّعة بالمئات تلفت الأنظار، لكن المسيّرة الجيدة المنتجة بمئات الآلاف هي التي تغيّر مسار الحرب. أوكرانيا تملك العقول، لكنها تفتقر إلى الحجم الصناعي القادر على إشباع حرب شاملة، واللافت أن هذه الوقائع لا تعكس نقصًا تقنيًا عابرًا، بل فجوة إنتاجية قد تحدد الطرف القادر على الصمود حتى النهاية عسكريًا.
الشتاء سلاح روسي
عمليًا، تعبّئ روسيا مصانعها وقواها البشرية، وتدرس تجنيدًا واسعًا جديدًا تتوقع كييف حصوله هذا الخريف، وبالتوازي، تستغل موسكو نقص الدفاعات الأوكرانية ضد الصواريخ الباليستية لضرب محطات الكهرباء، تمهيدًا لإغراق السكان في الظلام والبرد.
وشهد شميدت جانبًا من ذلك عندما احتمى بمحطة قطارات تحت الأرض في كييف؛ ففي تلك الليلة، أطلقت روسيا عشرات صواريخ كروز والباليستية والفرط صوتية.
مصانع الغرب أم انتصار روسيا؟
في المحصلة: يرى شميدت أن الإشادة بصمود كييف ليست استراتيجية، المطلوب أن يتعامل الغرب مع صناعتها الدفاعية بوصفها امتدادًا لصناعته، عبر الإنتاج المشترك، وتوفير الاعتراضات والذخائر والأسلحة بعيدة المدى، لقد اشترت أوكرانيا للغرب أربع سنوات بدم جنودها وبراعة مهندسيها؛ أما تركها تواجه الشتاء منفردة، فقد يمنح مصانع روسيا ما عجزت جبهاتها عن حسمه.

