طارق ترشيشي_خاص الأفضل نيوز
في السابع والعشرين من تشرين الأول الجاري، لن تكون صناديق الاقتراع الإسرائيلية بعيدة عن الجنوب اللبناني. قد تبدو المسافة الجغرافية بين الناخب الإسرائيلي في تل أبيب أو حيفا أو القدس وبين قرية لبنانية على الحدود طويلة، لكنها في الحسابات العسكرية والسياسية أقصر بكثير مما يتخيل كثيرون.
ففي الوقت الذي يتوجه فيه الإسرائيليون إلى انتخابات عامة مقرّرة في 27 تشرين الجاري، يبقى الجنوب اللبناني تحت ضغط عسكري وأمني وسياسي متواصل، فيما يكرر رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أن إسرائيل ستواصل ضرب حزب الله، ويربط بقاء القوات الإسرائيلية في مناطق من الجنوب بإزالة ما تصفه إسرائيل "التهديد" الذي يمثله الحزب.
وهنا يصبح السؤال اللبناني مشروعاً ومخيفاً في آن: هل يكون الجنوب اللبناني جزءاً من الحسابات الانتخابية الإسرائيلية، أم أن الانتخابات الإسرائيلية ستكون مجرد محطة في حرب مفتوحة على الجنوب؟
لا أحد يستطيع أن يعطي جواباً قاطعاً اليوم. لكن الوقائع تقول إن الجنوب يدخل هذا الاستحقاق وهو في وضع بالغ الهشاشة.
فالجنوب ليس في هدنة، بل في منطقة رمادية. ومنذ التصعيد الكبير الذي بدأ في آذار، لم تنجح الترتيبات السياسية التي رعتها الولايات المتحدة الأميركية في تحويل الجنوب منطقة مستقرة بصورة كاملة.
وفي 26 حزيران الماضي ، وُقِّعَ "إطار ثلاثي" بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة الأميركية يهدف إلى إنهاء التصعيد، وربط الانسحاب الإسرائيلي التدريجي بترتيبات أمنية وبسط سلطة الدولة اللبنانية، في ظل التفاوض على آليات التحقق ودور الجيش اللبناني. لكن المفاوضات اللاحقة لم تحسم القضايا الأساسية، فيما استمرت العمليات الإسرائيلية في الجنوب.
وفي أيلول الفائت، سجلت الأمم المتحدة استمرار الاعتداءات والنشاطات البرية والهندسية الإسرائيلية في الجنوب، إلى جانب وجود عسكري إسرائيلي شمال الخط الأزرق، فيما تحدثت عن سقوط مدنيين وعن نزوح ودمار واسع. وفي المقابل، أفادت بأن آخر رصد لمقذوفات أطلقها حزب الله كان في 21 حزيران.
أي أن لبنان يعيش واقعاً شديد التعقيد: إطلاق النار ليس في مستوى حرب شاملة، لكن السلام ليس موجوداً أيضاً. وهذه المنطقة الرمادية هي الأخطر. لأن الحرب لا تحتاج دائماً إلى قرار معلن كي تبدأ. أحياناً تكفي ضربة، أو اغتيال، أو سوء تقدير، أو حادث على الحدود، كي تنفتح أبواب يصعب إغلاقها.
نتنياهو والانتخابات
يدخل نتنياهو الانتخابات في مواجهة أسئلة داخلية ثقيلة، بعد ثلاث سنوات على هجوم 7 تشرين الأول 2023 وما أعقبه من حروب وأزمات سياسية وأمنية. وتشير التغطيات الإسرائيلية والدولية إلى أن الانتخابات ستكون اختباراً لمستقبل نتنياهو السياسي ولطريقة إدارة إسرائيل لملف الأمن والحرب.
لكن بالنسبة إلى لبنان، لا تكمن المشكلة في معرفة من سيربح الانتخابات. المشكلة في معرفة ما إذا كان لبنان سيبقى حاضراً في العقيدة الأمنية والسياسية الإسرائيلية أياً تكن هوية الحكومة المقبلة.
فالخلاف داخل إسرائيل قد يكون على نتنياهو، وعلى أسلوب إدارة الحرب، وعلى المسؤولية عن إخفاقات 7 تشرين الأول، وعلى الاقتصاد والقضايا الداخلية. لكن ملف حزب الله والحدود الشمالية وإبعاد "الخطر" عن المستوطنات الشمالية يحتفظ بموقع أساسي في الخطاب الأمني الإسرائيلي. بل إن رئيس أركان الجيش الإسرائيلي السابق غادي آيزنكوت، المنافس الرئيسي لنتنياهو بحسب التغطيات الانتخابية، لا يطرح تصوراً يلغي مبدأ نزع سلاح حزب الله أو إقامة جنوب لبناني منزوع السلاح، وإن كانت التفاصيل والوسائل تختلف. وهنا يجب على لبنان أن يقرأ المشهد بعيداً عن وهم أن سقوط نتنياهو يعني تلقائياً سقوط سياسة إسرائيل تجاه لبنان. قد يتغير نتنياهو وقد تتغير الحكومة وقد تتغير اللهجة. لكن الملفات الأمنية لا تتغير بالضرورة مع تغير أصحابها.
بحسب أوساط ديبلوماسية، يقع الجنوب في قلب معادلة أكبر من لبنان، والمشكلة أنه لم يعد ملفاً لبنانياً ـ إسرائيلياً صرفاً. فهو متصل بإيران، وبسوريا، وبالملف الفلسطيني، وبالعلاقة الأميركية ـ الإسرائيلية، وبالتطورات الإقليمية الأوسع. ولهذا فإن أي قراءة للتهديدات الإسرائيلية لا يمكن أن تفصل الجنوب عن المنطقة كلها.
لبنان الرسمي، وفق الأوساط الديبلوماسية، يقول إنه لا يريد أن يكون ساحة لنزاعات الآخرين، وأن أولوياته تتمثل في الانسحاب الإسرائيلي ووقف الاعتداءات وبسط سلطة الدولة على كل أراضيها وحصر السلاح بيد الدولة. وقد أكد رئيس الحكومة نواف سلام هذه الأولويات في الأمم المتحدة الشهر الفائت. لكن السؤال الأصعب هو: هل يملك لبنان فعلاً القدرة على منع تحويل أرضه ساحة مواجهة إذا قررت الأطراف الإقليمية والدولية التصعيد؟
ولذلك، تقول الأوساط الديبلوماسية نفسه، أن هذه ليست مسألة خطاب سياسي، وإنما مسألة قدرة دولة. فإسرائيل لا تتحدث فقط عن الحدود... بل عن "إزالة التهديد". وعندما يقول نتنياهو إن إسرائيل ستبقى في الجنوب ما دام حزب الله يشكل تهديداً، وعندما يكرر أن إسرائيل لن تنسحب قبل إزالة هذا التهديد، فإن المسألة تتجاوز الحدود الجغرافية للخط الأزرق. وهنا تكمن العقدة. إسرائيل تريد ضمانات أمنية عميقة في الجنوب. فيما لبنان يريد استعادة كامل أراضيه وسيادته. والسلطة اللبنانية تريد حصر السلاح بيدها. وحزب الله، من جهته، يبقى لاعباً مسلحاً وسياسياً رئيسياً في المعادلة اللبنانية.
على أن الانتخابات الإسرائيلية لا تعني أن الحرب حتمية وهنا يجب الحذر من قراءة المشهد بمنطق "الحرب آتية لا محالة". فلا توجد معطيات تبرر الجزم بذلك. فواشنطن لا تزال منخرطة في مسار تفاوضي، ولبنان وإسرائيل سبق أن توصلا إلى "إطار أمني" برعاية أميركية، فيما تستمر الاتصالات رغم تعثرها. كما أن الحرب الشاملة ستكون مكلفة لإسرائيل ولبنان والمنطقة، وليس من المسلّم به أن الانتخابات وحدها تدفع أي حكومة إسرائيلية إلى اتخاذ قرار كهذا. لكن عدم حتمية الحرب لا يعني أن الخطر غير موجود. فالعكس هو الصحيح. والخطر يكمن في أن المنطقة تعيش في حالة تسمح بانفجار محدود يمكن أن يتدحرج إلى مواجهة واسعة. وهذه هي اللحظة التي يفترض أن تكون فيها السلطة اللبنانية في أعلى درجات اليقظة السياسية والدبلوماسية والأمنية.
وماذا عن حزب الله؟
هنا أيضاً لا ينفع الهروب من السؤال. إسرائيل تضع نزع سلاح حزب الله في صلب شروطها للانسحاب من الجنوب، فيما يدور داخل لبنان نقاش متزايد حول حصرية السلاح بيد الدولة ومستقبل القرار الأمني والعسكري. والإطار الأميركي ـ اللبناني ـ الإسرائيلي الذي أُعلن في حزيران ربط بين استعادة الدولة اللبنانية سلطتها على الأراضي اللبنانية وبين التحقق من غياب السلاح والبنية العسكرية التابعة لقوى غير حكومية في المناطق المعنية.
لكن هذا الملف لا يمكن أن يُعالج فقط تحت ضغط المدفع الإسرائيلي. ولا يمكن في المقابل تجاهل كلفته على لبنان إذا بقي مفتوحاً بلا أفق سياسي.
المعادلة التي يحتاجها لبنان هي الأصعب: استعادة السيادة من دون حرب، وحماية الجنوب من دون تحويله إلى ساحة دائمة للمواجهة، ومعالجة مسألة السلاح عبر الدولة لا عبر الاجتياح. وهذا يتطلب سياسة دولة، لا سياسة ردود فعل.
وماذا بعد 27 تشرين الأول؟ بل ربما يكون السؤال الأهم هو: ماذا سيحدث في 28 تشرين الأول؟ وإذا بقي نتنياهو في الحكم، فهل يستمر النهج الحالي؟ وإذا تغيرت الحكومة، هل يتغير التعامل مع لبنان؟ وهل يصبح الجنوب ورقة تفاوضية في صفقة إقليمية أكبر؟ أم يستمر الضغط العسكري إلى أن يتم التوصل إلى صيغة جديدة للحدود والسلاح والانسحاب؟
لا أحد يملك الإجابة الآن. لكن هناك حقيقة واحدة لا يمكن تجاهلها وهي أن لبنان لا يستطيع أن ينتظر نتائج الانتخابات الإسرائيلية كي يبدأ التفكير في حماية جنوبه. فالجنوب موجود اليوم، والاحتلال موجود اليوم، والتهديدات موجودة اليوم، والمفاوضات موجودة اليوم. ولكن أخطر ما يمكن أن يحدث للبنان هو أن تتحول الانتخابات الإسرائيلية ساعة لبنانية. أي أن ينتظر اللبنانيون ماذا سيقرر الناخب الإسرائيلي، ثم يبنوا على ذلك حساباتهم.
إن الدولة التي تحترم نفسها تفعل العكس وتحدد مصالحها أولاً وترسم خطوطها الحمر وتفتح قنوات التفاوض.وتستعين بالديبلوماسية العربية والدولية وتدعم الجيش وتطالب بالانسحاب الإسرائيلي. وتمنع، قدر الإمكان، تحويل أرضها صندوق بريد للرسائل الإقليمية.
لقد قال رئيس الحكومة نواف سلام "إن لبنان لا يريد أن يكون ساحة لنزاعات الآخرين"، وهذه العبارة يجب أن لا تبقى شعاراً ديبلوماسياً.يجب أن تتحول سياسة دولة. فالجنوب لا يحتمل انتخابات الآخرين، والجنوبي الذي تهدّم منزله لا يعنيه كثيراً من سيكون رئيس الحكومة في إسرائيل. والعائلة التي نزحت من قريتها لا تستطيع أن تنتظر تشكيل الائتلاف الحكومي الإسرائيلي. واللبناني الذي يعيش على وقع الغارات لا يستطيع أن يبني مستقبله على استطلاع رأي في تل أبيب.
فبالنسبة إلى هؤلاء، هناك سؤال واحد: متى يعود الجنوب إلى أهله آمناً، تحت سيادة الدولة، بعيداً عن الحرب والاحتلال؟
ذلك هو السؤال الحقيقي. أما الانتخابات الإسرائيلية، فهي محطة مهمة في حسابات المنطقة، لكنها ليست قدراً محتوماً على لبنان. وإذا كان نتنياهو يراهن على القوة العسكرية لإزالة التهديد الذي يراه في حزب الله، فإن على لبنان أن يراهن على شيء مختلف تماماً: على الدولة، وعلى الديبلوماسية، وعلى الشرعية الدولية، وعلى وحدة القرار اللبناني. والتحدي الحقيقي ليس معرفة من سيربح في إسرائيل في 27 تشرين الأول، وإنما هو جعل مصير الجنوب يُقرر في لبنان، لا في صناديق اقتراع الآخرين ولا على خرائط جنرالاتهم.

