غدير عدنان نصر الدين-خاصّ الأفضل نيوز
ليست كلّ قصص الحبّ كُتبت لتكتمل، وليس كلّ من أحببناهم كُتب لهم أن يبقوا. بعض الحكايات تنتهي قبل أن تأخذ فرصتها الأخيرة، وتترك خلفها أسئلة بلا إجابات، وقلوباً عالقة بين ما كان وما كان يمكن أن يكون.
ولعلّ أقسى ما في قصص الحبّ التي لم تكتمل، أنّها لا تمنحنا نهاية واضحة بقدر ما تتركنا نتساءل عمّا لو أنّ الأمور سارت على نحوٍ مختلف، فكيف لعلاقة أن ترفع الإنسان إلى سابع سماء، ثم تهوي به إلى سابع أرض؟ وكيف لشخص كان بالأمس جزءاً من كلّ تفاصيلنا، أن يصبح اليوم مجرّد ذكرى نحاول ألّا نستحضرها، لكنّ أغنية واحدة تكفي لإعادته إلى الواجهة؟
فهل نتجاوز حقّاً قصة الحبّ "الأحب" إلى قلبنا والتي لم تكتمل، أم نتعلّم فقط كيف نعيش مع نهايات لم نخترها ؟
العلاقة انتهت… لكن ماذا تركت فينا؟
في حديثٍ للأفضل نيوز، شرحت الأخصائية النفسية "ليلى العلي" كيف أن بعض العلاقات تنتهي من حياتنا، لكنها أحياناً تظل حية في طريقة تفكيرنا وتصرفاتنا واختياراتنا، موضحةً أننا أحياناً نُفكر كيف يمكن لشخصين أن يكونا جزءاً كبيراً من حياة بعضهما، ثم يأتي يوم وتنتهي العلاقة، لكن وفي خضم يوم عادي، ننتبه إلى أن شيئاً في داخلنا قد تغيّر، ربما أصبحنا نفكر ألف مرة قبل أن نثق بأحد، أو لم نعد قادرين على التعبير عن مشاعرنا كما في السابق.
ليس كل انفصال يحمل الخسارة نفسها
إضافةً إلى ما ورد سابقاً، شرحت العلي أن الأسباب والظروف والمشاعر تختلف من علاقة إلى أخرى، على سبيل المثال هناك شخصان يحبان بعضهما، لكن الظروف لا تسمح لهما بالاستمرار معاً، وربما شخص يرحل رغم أنه ما يزال يحب، لأن العلاقة أصبحت ترهقه ولم تعد تمنحه الأمان، وهناك من يختفي فجأة، تاركاً الطرف الآخر غارقاً في أسئلة بلا إجابات…
لذلك، لا يمكننا قياس ألم الانفصال بناءً على من ترك ومن تُرك، حسب تعبيرها؛ فقد يكون الشخص الذي قرر الرحيل عاش حزنه قبل اتخاذ القرار، بينما قد يكتشف الشخص الذي تُرك مع مرور الوقت أن العلاقة كانت تستنزفه.
في النهاية، لا يقتصر الانفصال على خسارة شخص، بل قد يعني خسارة الأمان، أو العادات، أو حتى الصورة التي رسمناها لأنفسنا.
لماذا تترك بعض العلاقات القصيرة أثراً أكبر من علاقات استمرت سنوات؟
في هذا السياق، أشارت العلي إلى أن هناك أشخاصًا قد نعرفهم لفترة قصيرة، لكنهم يتركون فينا أثراً عميقاً، وفي المقابل، هناك علاقات استمرت لسنوات نستطيع تذكّرها بهدوء، من الناحية النفسية، شرحت أننا ندخل العلاقات ونحن نحمل تجارب الطفولة والعلاقات السابقة ومعتقداتنا عن الثقة والرفض والأمان، حيث أن هناك علاقات تترك أثراً عميقاً لأن نهايتها غامضة، فيظل العقل يتساءل: ماذا حدث؟ وماذا تغيّر؟ فالعلاقة التي لم تحصل على فرصتها، فقد تجعلنا نشتاق إلى الاحتمالات التي لم نعشها، وليس فقط إلى ما حدث بالفعل.
ماذا يحدث لطريقة تفكيرنا بعد الانفصال؟
أوضحت الأخصائية النفسية ليلي العلي أن من أكثر الآثار التي تتركها العلاقات هي التغيرات التي تطرأ على طريقة تفسيرنا للأحداث. فالشخص الذي تعرض للخيانة قد يصبح أكثر شكاً في الناس، والذي تُرك فجأة قد يشعر بالتوتر عندما يتأخر أحد بالرد عليه، والذي عاش انتقاداً مستمراً قد يخاف من اتخاذ قراراته.
في علم النفس، يمكن للتجارب المؤلمة أن تؤثر في مخططاتنا الذهنية، فنبدأ بتفسير تصرفات الأشخاص الجدد من خلال تجاربنا القديمة، فيصبح التأخر في الرد إهمالاً، والمساحة الشخصية رفضاً، والاختلاف تهديداً.
أكتوبر…
تطرّقت العلي إلى الفكرة التي تنتشر مؤخراً، ومفادها أن أواخر سبتمبر وبداية أكتوبر هما موسم عودة الأحبة السابقين، واللافت هو مدى رغبة الناس في تصديق أن هناك وقتاً معيناً قد يعيد شخصاً من الماضي، لأن هذه الفكرة تمنحهم إحساساً بأن بعض النهايات ليست نهائية.
من الناحية النفسية، يمكن للتواريخ والأماكن والأغاني أن تستحضر مشاعر قديمة مرتبطة بعلاقة سابقة، أما من الناحية الأنثروبولوجية، فقد ربط الإنسان على مر العصور، المواسم والتواريخ بمعانٍ رمزية تتعلق بالتغيير والبدايات والنهايات. وربما يكون السبب الأعمق لتمسكنا بفكرة عودة الأحبة هو أن هذا الاحتمال يخفف من قسوة النهاية، ويترك مجالاً للأمل بأن شيئاً لم يكتمل قد يكتمل يوماً ما، حسب تعبيرها، لكن علمياً، لا يوجد دليل على أن أكتوبر تحديداً هو موسم عودة العلاقات.
هل التعافي يعني أن ننسى؟
يبقى السؤال: إذا تذكرنا شخصاً بعد سنوات وشعرنا بالحنين، فهل يعني ذلك أننا لم نتعافَ؟ ليس بالضرورة، لأن التجارب المهمة تصبح جزءاً من قصتنا، والذاكرة العاطفية ليست شيئاً يمكننا محوه بإرادتنا، حسب ما شرحته.
ربما لا يعني التعافي أن نتوقف عن التذكر، بل أن الذكرى لم تعد تتحكم في حياتنا، وأننا نستطيع الاعتراف بأثر الشخص من دون أن نشعر بأن غيابه جعل حياتنا ناقصة إلى الأبد، وأن نسمح لتجارب جديدة بدخول حياتنا؛ فالتعافي ليس خطاً مستقيماً…
وربما في النهاية، تنتهي العلاقة، ويتغير الحب، ويخف الاشتياق، لكن بعض الآثار تبقى معنا. والتعافي لا يعني أن نمحو هذه الآثار، بل أن نفهمها ونختار ما نريد الاحتفاظ به، وما لا نريد أن نسمح له بأن يستمر في اتخاذ القرارات نيابة عنا…

