ميرا عيسى- خاصّ الأفضل نيوز
"ذهبتُ إلى مهنة الصحافة مضطرًّا، لكنّني بقيتُ فيها مختارًا"، هكذا اختصر طلال سلمان سنوات نضاله مع القلم، ذلك المارد الذي تعلمنا منه كيف نحلم بوطن عربيّ خال من الاحتلال والاستعمار. من المطبعة في أواخر خمسينيات القرن الماضي، رحلَ الفتى البقاعي، ابن بلدة شمسطار، يحمل حلمه بين يديه ليصنع من "السفير" صوتًا لمن لا صوت لهم، وجريدةً للوطن العربي في لبنان، وللبنان في الوطن العربي.
اليوم، تعود الصحافية والأكاديمية الدكتورة مهى زراقط لتفتح نافذة وفاء واسعة على هذه المسيرة من خلال كتابها الصادر حديثاً عن دار "نوفل": "طلال سلمان: صحافي من عصر مضى"، الذي يأتي كوصية صحافية ناطقة تضعنا وجهاً لوجه أمام كواليس مهنة عريقة، وتفتح الباب أمام أسئلة كبرى عن مصير الكلمة الحرة في زمن المتغيرات المتسارعة.
في كواليس الذاكرة والصحافة
في تصريح خاص لـ «الأفضل نيوز»، تسلّط الدكتورة مهى زراقط الضوء على مضمون هذا الإصدار ودوافع كتابته، وأفادت:"هذا الكتاب هو حصيلة مقابلات مطوّلة أجريتها مع الأستاذ طلال سلمان قبل إقفال جريدة السفير في أواخر العام 2016. تحدث في هذه المقابلات عن طفولته، ودراسته ودخوله إلى مهنة الصحافة في منتصف خمسينيات القرن الماضي وصولًا إلى تاريخ إجراء المقابلات معه".
يسترسل الكتاب في تاريخ طلال سلمان المهني، منذ بداياته في المطبعة، مرورًا بعمله المكتبي التحريري، ثم عمله مرسلًا عربيًا ولقاءاته مع الرؤساء والقادة العرب. وينتقل إلى تأسيس جريدة "السفير" والمحطات التي مرّت بها.
وأضافت:"لا يوجد ما هو غير معروف عن طلال سلمان في الكتاب، بمعنى أن الكتاب لا يكشف أسرارًا، لكنه يقدّم قراءته للزمن الذي عاشه بأحداثه السياسية وتطوراته المهنية، ولا يغيب عنا الشق الثقافي والفني. من جهتي، حاولت الإضاءة على تاريخ الصحافة اللبنانية من خلال مسيرة طلال سلمان".
وأوضحت أن الكتاب لم يكن مخططًا له في البداية. مؤكدة انها أرادت "توثيق قصة الأستاذ طلال سلمان لأنه أستاذنا في المهنة ومؤسّس جريدة صنعت فرقًا في لبنان والعالم العربي هي "السفير". لكن خلال العمل التوثيقي، وُلدت فكرة الكتاب، والتي أرى أنها ضرورية في محاولة لحفظ الذاكرة".
بين "عصر مضى" وتحديات الراهن: المبادئ الصحفية لا تتغيّر
ولا يمكن للقارئ أن يمر مرور الكرام على عتبة العنوان "صحافي من عصر مضى"، فطلال سلمان كما عرفناه، لا يمكن اختصار سيرته ببعض الصفحات، فلقد عاش صعود الحلم القومي العربي وانكساراته، والاحتلال الإسرائيلي للبنان، وقاوم بحبره الذي لم يجف حتى في أيامنا هذه.
وأفادت الدكتورة زراقط أن العبارة "عصر مضى" اختارها سلمان بنفسه وكأنه رأى أنه يقف عند مفترق زمني بات يجب أن نضع له نقطة النهاية. مؤكدة أنها لا ترثي الصحافة باعتبارها مهنة يجب أن تواكب المتغيرات المتسارعة، وهذا لا يجب أن يفرض عليها التخلي عن المبادئ بل الاستفادة من التقنيات من دون التخلي عن الأسس الصحيحة للعمل الصحافي وأهمها الصدق والأمانة.
لحظة الوداع الثقيلة
وعند التطرق إلى الجانب الإنساني والوجداني، وعن أكثر المواقف والتفاصيل التي أثرت فيها شخصياً خلال حواراتها مع الراحل، تستذكر زراقط الأيام الأخيرة لجريدة «السفير» قائلة: "ربما هي الأيام الأخيرة من عمر "السفير". لم يكن الأستاذ طلال مرتاحًا. كانت الجريدة بالنسبة إليه فردًا من أفراد عائلته، لذا كان صعبًا عليه أن يقفلها بنفسه لكنه اختار ذلك لكي يقفلها وهي ناجحة عوض أن تتراجع مهنيًا وتفقد أهميتها وسمعتها لدى جمهوره".
إرثٌ لا يطويه الزمان
بين صفحات هذا الكتاب، لا نطوي حكاية طلال سلمان بل نطرق باب الذاكرة علنا نرثي "السفير" لتبقى إرثاً خالداً لكل صحافي امن بالمبادئ الصحافية والعمل المهني الدؤوب، ولا يقتصر الكتاب على توثيق مرحلة تاريخية انقضت، بل هي دعوة لكل صحفي يؤمن بجدوى الكلمة، ليتأمل كيف يمكن للإنسان أن يصنع من الحبر وطناً، ومن الموقف عقيدة لا تُساوم.

