طارق ترشيشي_خاص الأفضل نيوز
تعتقد أوساط دبلوماسية أن التصعيد الأميركي ـ الإسرائيلي ضد إيران لا يهدد موقعها الإقليمي فحسب، بل يضع دورها في لبنان أمام اختبار إعادة التموضع، بين الحفاظ على نفوذها عبر حلفائها اللبنانيين، وتجنب انزلاق لبنان إلى مواجهة أوسع، والتعامل مع دولة لبنانية تسعى إلى استعادة قرارها السيادي. وتزداد أهمية هذه الفكرة في ضوء زيارة معاون وزير الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زادة الأخيرة لبيروت والتطورات العسكرية والدبلوماسية المتسارعة في المنطقة.
بين احتواء المواجهة والحفاظ على أوراق النفوذ، تواجه طهران اختباراً يتجاوز حدودها، فيما يتحول لبنان إحدى الساحات الأكثر حساسية في تحديد شكل التوازنات الإقليمية المقبلة. فلم تعد المواجهة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، مجرد نزاع على البرنامج النووي أو توازن الردع العسكري، بل باتت معركة على شكل النظام الإقليمي وحدود النفوذ فيه، وعلى مستقبل شبكة التحالفات التي بنتها طهران خلال العقود الماضية. وفي قلب هذه المعادلة، يبرز لبنان في اعتباره ساحة تتقاطع فيها الحسابات الإيرانية والإسرائيلية والأميركية مع أزمة الدولة اللبنانية ومساعيها لاستعادة السيطرة على قرار الحرب والسلم.
وتأتي زيارة معاون وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زادة الأخيرة للبنان في هذا السياق تحديداً، وسط تصاعد المواجهة الإقليمية، واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، وتزايد الضغوط على الحكومة في ملف حصرية السلاح بيد الدولة. وقد تزامنت الزيارة مع اتصالات إيرانية رسمية بالقيادة اللبنانية، في خطوة تعكس حرص طهران على إبقاء قنواتها السياسية مفتوحة، واحتواء التوتر الذي شاب العلاقات الثنائية على خلفية أزمة السفير الإيراني
لكن السؤال الأهم، حسب الأوساط الدبلوماسية، لا يتعلق بمجرد استمرار الحضور الإيراني في بيروت، بل بطبيعة هذا الحضور في المرحلة المقبلة: هل تستطيع طهران الحفاظ على نفوذها بالآليات نفسها التي اعتمدتها سابقاً، أم أن التحولات العسكرية والسياسية ستدفعها إلى إعادة صوغ أدوات تأثيرها في لبنان والمنطقة؟
ولقد شكّل لبنان، على مدى سنوات، إحدى الركائز الأساسية في الاستراتيجية الإقليمية الإيرانية، بالنظر إلى موقع حزب الله العسكري والسياسي، وإلى ما أتاحه هذا التحالف لطهران من قدرة على التأثير في معادلات الردع مع إسرائيل. غير أن التطورات التي شهدها لبنان منذ عام 2024، ثم اتساع المواجهة مجدداً في عام 2026، أظهرت أن الحفاظ على النفوذ لا يعني بالضرورة القدرة على التحكم في مسارات النزاع أو كلفته ونتائجه.
وقد أدت الضربات الإسرائيلية التي استهدفت قيادات حزب الله وبنيته العسكرية، إلى جانب سقوط نظام بشار الأسد في سوريا وتعطل مسارات الإمداد التقليدية عبر الأراضي السورية، إلى تغيير البيئة الاستراتيجية التي تحركت ضمنها إيران وحلفاؤها. وتشير تحليلات منشورة إلى أن حزب الله لا يزال يحتفظ بقدرات عسكرية وقاعدة سياسية واجتماعية، لكنه يواجه في الوقت نفسه تحديات تتعلق بشرعيته الداخلية، وبموقعه في النظام اللبناني، وبقدرته على التوفيق بين دوره العسكري ومتطلبات الاستقرار وإعادة الإعمار.
وعليه، فإن التحدي الإيراني لم يعد مقتصراً على إعادة بناء القدرات أو الحفاظ على قنوات الدعم، بل بات يتعلق أيضاً بطريقة منع تراجع النفوذ الاستراتيجي إلى مجرد عبء سياسي وأمني على الحلفاء، خصوصاً إذا تحولت الساحة اللبنانية مصدر استنزاف مستمر في ظل استمرار الاعتداءات الإسرائيلية والضغوط الأميركية.
أولويات لبنان وحسابات إيران
تكتسب زيارة خطيب زادة للبنان أهمية إضافية لأنها جاءت في مرحلة تحاول فيها الدولة اللبنانية تعزيز حضورها في الملفات السيادية والأمنية، فيما تتزايد المطالب الداخلية والخارجية بحصر السلاح بيد المؤسسات الشرعية. وفي هذا الإطار، لا يمكن فصل مستقبل العلاقة بين بيروت وطهران عن السؤال المتعلق بموقع حزب الله في المرحلة المقبلة، وحدود العلاقة بين الدولة اللبنانية والقرار العسكري للحزب.
وتكشف أزمة السفير الإيراني أن العلاقات الثنائية نفسها لم تعد في منأى عن هذا التحول. فإقرار المسؤول الإيراني بضرورة إيجاد مخرج للأزمة يشير إلى إدراك طهران أن الحفاظ على قنوات التواصل مع بيروت يتطلب معالجة الخلاف الدبلوماسي، وتفادي تحوله إلى مواجهة سياسية مفتوحة مع مؤسسات الدولة.
ومع ذلك، لا تكفي هذه المؤشرات للاستنتاج بأن إيران قررت مراجعة شاملة لسياستها اللبنانية. فقد يكون الهدف المباشر هو احتواء الأزمة، والحفاظ على العلاقات مع حلفائها، ومنع تراجع حضورها في مرحلة تتغير فيها موازين القوى. أما الانتقال إلى علاقة تقوم على احترام أوسع لمرجعية الدولة اللبنانية، فيبقى مرتبطاً بالمواقف العملية لطهران من الملفات الأمنية والسيادية، لا بالتصريحات الدبلوماسية وحدها.
ومن هنا، فإن مستقبل الدور الإيراني سيتحدد جزئياً بقدرته على التكيف مع واقع لبناني تتزايد فيه أهمية المؤسسات الرسمية، وتتعاظم فيه كلفة استمرار المواجهة، وتتداخل فيه مسألة السلاح مع إعادة الإعمار وعودة النازحين وحماية المناطق الحدودية.
واشنطن وتل أبيب
لا يقتصر الضغط الأميركي والإسرائيلي على استهداف القدرات الإيرانية بصورة مباشرة، بل يمتد إلى البيئة الإقليمية التي تمنح طهران مجالاً للحركة والتأثير. ويشكل لبنان، في هذا السياق، إحدى ساحات اختبار مدى قدرة واشنطن وتل أبيب على تغيير المعادلات التي استند إليها النفوذ الإيراني.
وقد أظهرت التطورات الأخيرة هذا الترابط بوضوح. ففي 15 تشرين الأول، أكدت تصريحات صادرة عن حزب الله أن شحنة المتفجرات التي ضبطتها السلطات اللبنانية كانت تابعة للحزب ومخصصة، بحسب روايته، لاستهداف القوات الإسرائيلية الموجودة داخل الأراضي اللبنانية. وجاء ذلك في وقت كانت فيه الحكومة اللبنانية تدفع باتجاه حصر النشاط العسكري بيد الدولة، فيما شدد الرئيس جوزاف عون على ضرورة ممارسة واشنطن ضغطاً على إسرائيل لوقف الاعتداءات والالتزام بالتفاهمات الأمنية.
وتكشف هذه الوقائع عن معادلة شديدة التعقيد: فالضغط على حزب الله لا يجري بمعزل عن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي في أجزاء من الأراضي اللبنانية، كما أن المطالبة بوقف الاعتداءات الإسرائيلية لا تحسم الخلاف الداخلي حول مستقبل السلاح والقرار العسكري. وبين المسارين، تحاول الدولة اللبنانية تثبيت موقعها كمرجعية قادرة على إدارة الملف الأمني والتفاوضي، من دون أن تتحول أراضيها إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
أما بالنسبة إلى واشنطن، فإن استمرار الضغط على طهران، بما في ذلك العقوبات الجديدة التي أعلنتها الإدارة الأميركية في الآونة الاخيرة، يعكس تمسكها بأدوات الضغط الاقتصادي والسياسي بالتوازي مع التصعيد العسكري. غير أن مدى نجاح هذه المقاربة في إحداث تغيير مستدام في السلوك الإيراني سيظل مرتبطاً بكلفتها الإقليمية، وبقدرة الأطراف على منع انتقال المواجهة إلى ساحات إضافية.
والسؤال هنا هو: هل تتجه إيران إلى التهدئة أم إلى توسيع المواجهة؟
وتجيب الأوساط الدبلوماسية أنه يصعب استشراف مستقبل الدور الإيراني من خلال افتراض أن طهران ستختار حتماً التصعيد أو التهدئة، إذ إن قرارها سيتأثر بحجم الضغوط العسكرية، وبقدرة مؤسساتها على الحفاظ على الردع، وبمدى توافر قنوات تفاوضية تسمح لها بتجنب مواجهة مفتوحة طويلة الأمد.
وفي حال اتجهت إيران إلى احتواء التصعيد، فقد تسعى إلى الحفاظ على تحالفاتها الإقليمية مع تقليص مخاطر الانخراط المباشر في مواجهة واسعة، أو دعم ترتيبات تهدئة تسمح بإعادة تنظيم قدراتها وأولوياتها. وفي لبنان، قد ينعكس هذا المسار في تشجيع قنوات التواصل السياسي، والبحث عن صيغ تمنع انهيار العلاقة مع الدولة اللبنانية، مع استمرار الخلافات حول دور حزب الله وسلاحه.
أما إذا اتسعت المواجهة المباشرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل، فقد تزداد الضغوط على الحلفاء الإقليميين لطهران، سواء عبر رفع مستوى الجاهزية العسكرية أو توسيع نطاق الرسائل الردعية. وفي هذه الحال، سيرتفع خطر تحول لبنان إحدى ساحات المواجهة، مع ما يحمله ذلك من تداعيات على المدنيين والبنية التحتية والاقتصاد والاستقرار الداخلي.
وثمة احتمال ثالث يتمثل في استمرار التصعيد ضمن حدود غير محسومة، بحيث تتداخل الضربات العسكرية والعقوبات والوساطات من دون الوصول إلى تسوية شاملة أو حرب إقليمية مفتوحة. وقد يكون هذا المسار الأكثر تعقيداً بالنسبة إلى لبنان، لأنه يطيل حالة عدم اليقين ويضع الدولة أمام ضغوط متزامنة لتطبيق قراراتها الأمنية، واحتواء تداعيات العمليات الإسرائيلية، والحفاظ على قنواتها الدبلوماسية.
هذه مسارات تحليلية مشروطة وليست تنبؤات محسومة، فمآلاتها ستتوقف على طبيعة القرارات العسكرية والسياسية، وعلى قدرة الوسطاء على إيجاد تفاهمات قابلة للتنفيذ.
مستقبل اليونيفيل
وثمة عامل إضافي قد يؤثر على مستقبل الدور الإيراني وفي قدرة لبنان على إدارة التوتر، يتمثل في مستقبل قوة "اليونيفيل". فقد دعا وكيل الأمين العام للأمم المتحدة لعمليات السلام جان بيير لاكروا أثناء زيارته الاخيرة لبيروت، إلى بدء نقاشات جدية في شأن مستقبل القوة، في ضوء انتهاء ولايتها في نهاية عام 2026 وعدم وضوح ترتيبات استمرار وجود دولي في الجنوب.
ولا يقتصر هذا الملف على الجوانب اللوجستية أو الأممية، بل يتصل مباشرة بمستقبل آليات مراقبة وقف إطلاق النار، وتفادي الاحتكاك بين لبنان وإسرائيل، ومراقبة الوضع الميداني في المناطق الحدودية. وأي فراغ في هذه الآليات قد يزيد صعوبة تثبيت التهدئة، ويمنح مختلف الأطراف حوافز إضافية للاعتماد على أدواتها العسكرية الخاصة.
ومن شأن استمرار دور دولي فاعل، ضمن تفويض واضح ومتوافق عليه، أن يتيح للبنان هامشاً أوسع لتثبيت الاستقرار وتوسيع حضور مؤسساته الرسمية. أما غياب ترتيبات بديلة واضحة، فقد يفاقم المخاطر الميدانية ويجعل أي تفاهم سياسي أكثر هشاشة.
مستقبل النفوذ الإيراني
تواجه إيران، في المرحلة المقبلة، معادلة تتجاوز الحفاظ على حلفائها إلى تحديد الكلفة المقبولة لهذا الحفاظ. فالتشبث بأدوات النفوذ القائمة قد يساعدها على إبقاء موقعها الإقليمي، لكنه قد يفاقم في الوقت نفسه الضغوط العسكرية والاقتصادية والسياسية عليها وعلى حلفائها. وفي المقابل، فإن إعادة تنظيم العلاقة مع الحلفاء، أو إعطاء مساحة أكبر للمسارات السياسية، قد يحد من مخاطر الاستنزاف، لكنه يطرح أسئلة في شأن توازنات الردع وحدود التنازلات الممكنة.
وفي لبنان تحديداً، لا يبدو مستقبل النفوذ الإيراني قابلاً للاختزال في معادلة عسكرية وحدها. فهناك عوامل داخلية لا تقل أهمية، تشمل قدرة الدولة على استعادة دورها، وموقف القوى السياسية من مستقبل السلاح، وحجم الأضرار التي خلفتها الحرب، واحتياجات السكان إلى الأمن والإعمار والعودة إلى قراهم.
وإذا استمر الصراع الإقليمي، فقد تجد طهران نفسها أمام ضرورة التكيف مع بيئة أقل ملاءمة مما كانت عليه في السابق. أما إذا فُتح مسار تفاوضي أوسع بين إيران والولايات المتحدة، فقد يصبح لبنان جزءاً من تفاهمات إقليمية غير مباشرة، من دون أن يعني ذلك بالضرورة إدراجه رسمياً في أي اتفاق أو التوصل تلقائياً إلى تسوية لملف حزب الله.
وفي الحالتين، سيكون من الضروري التمييز بين استمرار النفوذ الإيراني بوصفه واقعاً سياسياً واجتماعياً، وبين قدرته على إنتاج نتائج استراتيجية لمصلحة طهران. فالحضور لا يعني بالضرورة القدرة على التحكم، كما أن تراجع بعض القدرات العسكرية لا يعني اختفاء النفوذ السياسي أو الاجتماعي بصورة تلقائية.
لبنان واستعادة القرار
لا تشير التطورات الحالية إلى نهاية وشيكة للدور الإيراني في لبنان، كما لا تسمح بافتراض أن طهران ستتمكن من الحفاظ على نفوذها بالصيغة نفسها التي سادت في مراحل سابقة. فالمتغيرات العسكرية والإقليمية، والضغوط الأميركية والإسرائيلية، والتحولات داخل لبنان، كلها عوامل تدفع باتجاه مرحلة جديدة تتحدد فيها طبيعة هذا الدور وحدوده.
وقد تكون زيارة سعيد خطيب زادة إلى بيروت محاولة لاحتواء التوتر والحفاظ على قنوات التواصل في لحظة حساسة، لكنها لا تكفي وحدها لإثبات وجود تحول استراتيجي في السياسة الإيرانية. وسيكون الحكم على نتائجها مرتبطاً بما ستكشفه المواقف اللاحقة من استعداد طهران للتعامل مع مؤسسات الدولة اللبنانية، وبما إذا كانت الاتصالات ستسهم في خفض مخاطر المواجهة أم ستبقى ضمن إدارة الخلافات القائمة.
أما على المستوى الإقليمي، فستظل العلاقة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل العامل الأكثر تأثيراً في تحديد اتجاه المرحلة المقبلة. فإذا نجحت الوساطات في احتواء التصعيد، فقد تتاح فرصة لإعادة ترتيب التوازنات عبر التفاوض. وإذا اتسعت المواجهة، فسيواجه لبنان مخاطر أكبر نتيجة موقعه الجغرافي وتشابك ساحته الداخلية مع النزاع الإقليمي.
يبقى أن التحدي اللبناني لا يقتصر على طريقة التعامل مع الدور الإيراني، بل يتمثل في قدرة الدولة على منع تحوّل لبنان ساحة مفتوحة لتبادل الرسائل العسكرية، وتعزيز مرجعيتها في القرارات السيادية، وتأمين الشروط اللازمة لوقف الاعتداءات وإعادة الإعمار والاستقرار. فمستقبل النفوذ الإيراني سيتأثر حتماً بما ستقرره طهران وواشنطن وتل أبيب، لكنه سيتحدد أيضاً بمدى قدرة اللبنانيين ومؤسساتهم على استعادة المبادرة في تقرير مستقبل بلدهم.

