د. علي دربج - خاصّ الأفضل نيوز
ينتزع لبنان ساعةً من الصباح ليُطيل بها أمسياته، ثم يترك لأطفاله مواجهة العتمة. وبينما تطالب الأكاديمية الأميركية لطب النوم بتثبيت التوقيت الشتوي حمايةً للصحة، تواصل الحكومات اللبنانية تقديم العقارب، ويبقى على العائلات تدبير الكلفة: طفلٌ يستيقظ قبل الفجر، وحافلةٌ تنطلق قبل الشروق، فأين التقييم الذي يثبت أن مكاسب المساء تستحق ما قد يخسره التلاميذ من نومهم وسلامة تنقّلهم؟
حسنًا، خذوا هذا المثال الأسري في لبنان: طفل في الرابعة، توقظه أسرته الخامسة صباحًا خلال تشرين الأول ليستعد، فيما الظلام مستمر، وإذا كانت مدرسته تبعد عشرين كيلومترًا أو أكثر، فقد يركب الحافلة قبل الشروق، بحسب مسارها وموعد الدوام، صحيح إنها حالة توضيحية، لكنها تكشف ما ينبغي قياسه قبل تحريك ساعة بلد.
من هنا، لا يكفي أن يتوقف لبنان عن تغيير الساعة، فالأهم أيّ توقيت سيعتمد طوال العام؛ لذا فالفارق بين تثبيت الصيفي والشتوي هو توزيع الضوء بين الصباح والمساء، وهذه نقطة أساسية تشرحها الطبيبة ليانا وين في صحيفة «الواشنطن بوست»: بالقول: " الصيفي يؤخّر موعد الشروق على الساعة مقابل ضوء إضافي مساءً، بينما يمنح الشتوي صباحًا أكثر إضاءة، لذلك تؤيد الهيئات الطبية التي تستند إليها تثبيت الشتوي، لأن ضوء الصباح يساعد الجسم على تنظيم النوم والاستيقاظ.
الجسم لا يقرأ التعاميم
في الواقع، تحتاج الساعة البيولوجية، التي تنظّم النوم والاستيقاظ، إلى ضوء الصباح لضبط إيقاعها، وهذه نقطة أساسية للبنان: الإضاءة المتأخرة مساءً قد تؤخر النعاس، بينما يبقى موعد المدرسة ثابتًا.
النتيجة المحتملة أن يستيقظ الطفل قبل أن يحصل على نوم كافٍ، خصوصًا حين لا يتقدم موعد نومه مع تقديم الساعة،
لكن مهلاً، المشهد اللبناني لا يقتصر على الخريف، عند تقديم الساعة في الأحد الأخير من آذار، وليس أول نيسان، يصبح الشروق متأخرًا ساعةً على الساعة مقارنةً باليوم السابق، وللأسر التي تبدأ استعداداتها في الخامسة، قد تتكرر رحلة التحضير والخروج في الظلام، لهذا يجب جمع مواعيد المدارس والحافلات والشروق في تقييم واحد.
الطريق إلى المدرسة يدخل الحساب
نشرت شركة «كيه 12» ـــــ تقدم خدمات التعليم عبر الإنترنت ــــــ تحليلًا يتوقع أن تثبيت الصيفي سيجعل طلاب 94 من أكبر مئة منطقة تعليمية أميركية يتنقلون قبل الشروق شتاءً، هذا ليس إحصاءً عن لبنان، لكنه يضع أمامه سؤالًا عمليًا: كم طفلًا سنرسل إلى الطرق المظلمة؟
ضع في اعتبارك أن الأكاديمية الأميركية لطب النوم، تربط الانتقال الربيعي بزيادة مخاطر حوادث السير وأحداث القلب واضطرابات المزاج، وهذه المعطيات لا تثبت أن تغيير الساعة سبب حادثًا محددًا في لبنان؛ لكنها تجعل النوم والسلامة معيارين ضروريين، بدل اختزال القضية في السهر والتسوق والاستفادة من الأمسيات.
الشتوي ليس تخلّفًا... اسألوا أميركا
بالمقابل، على من يتخذ أميركا نموذجًا في لبنان أن ينظر إلى صورتها: هاواي ومعظم أريزونا تعتمدان الشتوي طوال العام، مع استثناء أراضي نافاجو في أريزونا؛ أي إن الحديث يخص ولايتين، إحداهما باستثناء، ولا يعني أن الولايات المتحدة كلها ألغت الصيفي. أما عالميًا، فأكثر من 60٪ من الدول لا تستخدمه.
في المحصلة:
يصبح الإصرار اللبناني على الصيفي محتاجًا إلى تبرير منشور: أين تقييم أثره في نوم التلاميذ وسلامة تنقلهم؟ القرار العلمي يقارن المنافع بالكلفة، ويشرح أدلته للناس. أما تقديم العقارب ثم ترك العائلات تتدبر العتمة، فلا يكفي ليصبح سياسة مقنعة، صحة الطفل تستحق أكثر من عادة إدارية تتكرر كل سنة.

