هنادي عيسى- خاصّ الأفضل نيوز
تواصل الفنانة الأردنية صبا مبارك ترسيخ حضورها في الدراما العربية من خلال اختيارات فنية تتسم بالتنوع والجرأة، متنقلة بين الشخصيات المركبة والحكايات الإنسانية التي تلامس تفاصيل المجتمع. وبعد تجربتها في مسلسل «ورد على فل وياسمين»، حيث قدمت شخصية امرأة بسيطة تواجه قسوة الحياة وتتمسك بالأمل، تعود في «جريمة في الزمالك» إلى أجواء الغموض والتشويق، من خلال شخصية «نادية» التي تجد نفسها في مواجهة ظروف استثنائية تقلب حياتها رأساً على عقب.
وبين العملين، تتوقف صبا مبارك عند طبيعة الشخصيات التي تختارها، والتحديات التي تفرضها عليها، ورؤيتها للمرأة في الدراما، فضلاً عن علاقتها بالجمهور وسعيها الدائم إلى اكتشاف مساحات تمثيلية جديدة.
وفي هذا الحوار مع الأفضل نيوز تشرح كل التفاصيل:
-لنبدأ بمسلسل «جريمة في الزمالك»، الذي دخلتِ من خلاله عالم الجريمة والغموض. ما الذي جذبك إلى هذه الحكاية؟
-أحببت فكرة العمل منذ البداية، خصوصاً أنه لا يتعامل مع الجريمة باعتبارها مجرد حدث مثير، بل يحاول الاقتراب من الظروف الإنسانية والنفسية التي يمكن أن تقود الإنسان إلى لحظات مصيرية، كما أن طبيعة الحكاية وإيقاعها السريع منحاني فرصة لخوض تجربة مختلفة، وأحببت أن أكون جزءاً من عمل يترك للمشاهد مساحة للتفكير واكتشاف التفاصيل.
-تجسدين شخصية «نادية»، وهي امرأة تجد نفسها وسط ظروف قاسية وأحداث متشابكة. كيف تعاملتِ مع هذه الشخصية؟
-نادية شخصية تحمل الكثير من التناقضات الإنسانية، فهي ليست شخصية يمكن الحكم عليها بسهولة. ما يهمني في مثل هذه الأدوار هو فهم دوافع الشخصية والظروف التي تحيط بها، بعيداً عن إصدار الأحكام عليها. حاولت أن أقترب من مشاعرها ومخاوفها، وأن أقدمها بصورة تجعل المشاهد يفهم ما تمر به حتى عندما يختلف مع تصرفاتها.
-الحكاية مستوحاة من وقائع وقضايا حقيقية. هل يفرض ذلك مسؤولية إضافية على الممثل؟
-بالتأكيد، لأن التعامل مع أحداث مستوحاة من الواقع يتطلب قدراً كبيراً من المسؤولية والحذر. لكننا في النهاية نقدم عملاً درامياً له رؤيته الفنية، ولسنا بصدد إعادة نقل الوقائع حرفياً. المهم بالنسبة إليّ هو أن تكون الشخصيات مقنعة، وأن نحافظ على البعد الإنساني للحكاية من دون السقوط في المبالغة أو الاستغلال الدرامي.
-ما الذي يميز «جريمة في الزمالك» عن أعمال الجريمة والتشويق التي سبق أن شاهدها الجمهور؟
-أعتقد أن الاختلاف يكمن في الطريقة التي تتداخل فيها الجريمة مع الحياة الشخصية للشخصيات. فهناك أسرار وعلاقات وضغوط اجتماعية ونفسية تتكشف تدريجياً، وهذا ما يجعل المشاهد أمام أكثر من مستوى للحكاية. كما أن صيغة الحلقات القصيرة تفرض إيقاعاً مكثفاً، لا مجال فيه للإطالة أو التفاصيل غير الضرورية.
-تعاونتِ في العمل مع المخرج محمود عبد التواب والمؤلف عمرو سمير عاطف. كيف تصفين هذه التجربة؟
-أحب التعاون مع المخرج الذي يمنح الممثل مساحة للتفكير والمناقشة، وفي الوقت نفسه يمتلك رؤية واضحة للعمل. تجمعني بمحمود عبد التواب تجربة فنية أعتز بها، وأقدّر قدرته على التعامل مع الممثلين واستخراج تفاصيل مختلفة من الشخصيات. أما النص الذي يكتبه عمرو سمير عاطف، فيتميز ببناء الأحداث والاهتمام بالتفاصيل، وهو ما يمنح الممثل أرضية جيدة للعمل.
-ننتقل إلى «ورد على فل وياسمين»، حيث قدمتِ شخصية «إلهام». ما الذي جعلك تتمسكين بهذا الدور؟
-أحببت إلهام منذ قراءتي الأولى للسيناريو. شعرت بأن الشخصية مختلفة تماماً عما قدمته سابقاً، كما أن النص كان مكتوباً بعناية شديدة، وكل شخصية فيه لها تفاصيلها الخاصة. إلهام امرأة بسيطة، تحب الحياة وتتمسك بالأمل، وتحاول أن تواجه صعوباتها من دون أن تفقد قدرتها على رؤية الجوانب الجميلة فيها. وجدت أن هذه الشخصية تستحق أن تُروى حكايتها.
-إلهام امرأة مطلقة تعمل في مهنة تصفيف الشعر وتتحمل مسؤولية تربية ابنها. كيف حضرتِ لهذه الشخصية؟
-كان التحدي الأساسي هو الوصول إلى البساطة والصدق، لأنني لم أرد تقديم شخصية شعبية وفق الصورة النمطية التي اعتدنا مشاهدتها أحياناً في الدراما. عملت على اللهجة وطريقة الكلام، واستعنت بمدربة، كما شاهدت نماذج حقيقية لنساء يعملن في مجال تصفيف الشعر، وحاولت التعرف إلى تفاصيل المهنة وطبيعة حياتهن اليومية. حتى الملابس والمظهر الخارجي كانا جزءاً من بناء الشخصية.
-لفت الانتباه ظهورك بإطلالة طبيعية ومن دون مكياج مبالغ فيه. هل كان ذلك قراراً مرتبطاً بالشخصية؟
-نعم، لأنني أردت أن يشعر المشاهد بأنه أمام امرأة حقيقية يمكن أن يلتقي بها في حياته اليومية. لم يكن هدفي أن تبدو إلهام بصورة مثالية أو مصطنعة، بل أن تظهر كما هي، بكل تفاصيلها وبساطتها. بالنسبة إليّ، جمال الشخصية يكمن في روحها وطريقتها في التعامل مع الحياة، وليس في شكلها الخارجي فقط.
-يتناول المسلسل قصة حب تجمع إلهام بالدكتور طارق، وهي علاقة قد تبدو غير مألوفة اجتماعياً. كيف نظرتِ إلى هذه العلاقة؟
-أحببت هذه العلاقة لأنها تطرح فكرة أن الإنسان لا يفقد حقه في الحب والحياة بعد مروره بتجربة زواج فاشلة أو انفصال. إلهام امرأة لها مشاعرها وأحلامها، ومن حقها أن تجد شخصاً يقدرها ويحبها. الجميل في الحكاية أنها لا تقدم العلاقة بصورة مثالية، بل تترك مساحة للتساؤلات والاختلافات، وهذا ما يجعلها قريبة من الواقع.
-يتناول العمل أيضاً معاناة المرأة التي تتحمل مسؤولية العمل وتربية أطفالها بمفردها. ما الرسالة التي أردتِ إيصالها من خلال إلهام؟
-أعتقد أن هناك نساء كثيرات يعشن هذه التجربة، ويحاولن يومياً التوفيق بين العمل والمسؤوليات العائلية والاحتياجات الشخصية. أردنا تقديم امرأة لا تستسلم للظروف، لكنها أيضاً ليست بطلة خارقة لا تتعب ولا تخاف. هي إنسانة تخطئ وتصيب وتفرح وتحزن، لكنها تحاول الاستمرار. وأعتقد أن رسالة الأمل والرضا من أهم ما يحمله العمل.
-في «ورد على فل وياسمين» هناك جانب إنساني مرتبط بمرض الشخصية وتطور حالتها النفسية والجسدية. كيف تعاملتِ مع هذا الجانب؟
-كان هذا الجانب من أصعب التحديات، لأن الشخصية تمر بتحولات متتابعة خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً. حاولت أن أتعامل مع هذه التحولات تدريجياً، وأن أعكس أثرها النفسي والجسدي من دون مبالغة. المهم بالنسبة إليّ ألا يتحول المرض إلى مجرد وسيلة لاستدرار تعاطف الجمهور، بل أن يبقى جزءاً من رحلة إنسانية متكاملة.
-قدمتِ في العملين شخصيتين مختلفتين تماماً، واحدة محاصرة بالغموض والجريمة، وأخرى تتمسك بالأمل وسط صعوبات الحياة. هل تتعمدين التنويع في اختياراتك؟
-التنوع مهم جداً بالنسبة إليّ، لأنني لا أحب أن أكرر نفسي أو أن أحصر تجربتي في نوع معين من الأدوار. أبحث دائماً عن الشخصية التي تثير فضولي وتدفعني إلى اكتشاف شيء جديد في داخلي كممثلة. أحياناً يكون الدور صعباً أو بعيداً عن شخصيتي، وهذا تحديداً ما يجعلني متحمسة لخوضه.
بعد سنوات من العمل في الدراما العربية، ما الذي تغير في نظرتك إلى التمثيل واختيار الأدوار؟
-أصبحت أكثر وعياً بما أريد تقديمه، وأكثر اهتماماً بالتفاصيل التي تجعل الشخصية حقيقية. لم يعد يغريني مجرد الظهور في عمل ناجح، بل أبحث عن تجربة تضيف إليّ وتمنحني فرصة لتقديم شيء مختلف. أؤمن بأن الممثل يجب أن يظل في حالة بحث وتعلم، وألا يطمئن إلى ما حققه سابقاً.

