ميرنا صابر – خاصّ الأفضل نيوز
قبل أن يصل إلى الصيدليات، وصل إلى دائرة الاهتمام العالمي. دواء لم يحصل بعد على الموافقة الأميركية، لكنه بات ينافس في الأرقام أسماء غيّرت سوق التنحيف خلال السنوات الأخيرة. إنه «ريتاتروتايد»، أحدث الأدوية التجريبيّة التي تعيد طرح سؤال لم يكن مطروحاً بهذه القوة سابقاً: إلى أي مدى يمكن للطب أن يذهب في إنقاص الوزن، وهل تعني النتائج الأقوى بالضرورة علاجاً أفضل؟
بعد النجاح الذي حققته إبر «أوزمبيك» و«مونجارو»، أعلنت شركة «إيلي ليلي» الأميركية في 28 تشرين الأول 2026 نتائج تجربة سريرية شملت نحو 1300 مريض بالسكري من النوع الثاني، أظهرت خسارة مستخدمي الجرعة الأعلى من ريتاتروتايد ما معدله 20.9% من أوزانهم خلال 80 أسبوعاً، مقابل 9.4% لمستخدمي أوزمبيك. أي أن الفارق لم يعد يُقاس بكيلوغرام أو اثنين، بل بأكثر من ضعف نسبة الوزن المفقود في هذه التجربة. ولا تكمن خصوصية العلاج الجديد في قدرته على تقليل الشهيّة فحسب، بل في استهدافه ثلاثة مستقبلات هرمونيّة مرتبطة بتنظيم السكر والجوع والتمثيل الغذائي، مقارنة بمستقبل واحد لأوزمبيك واثنين لمونجارو. غير أن هذه الآلية لا تعني تلقائياً أنه أكثر أماناً أو فعالية من جميع العلاجات المتاحة، خصوصاً أن المقارنة المباشرة مع مونجارو لم تُحسم بعد.
ورغم النتائج الواعدة، يبقى ريتاتروتايد خارج قائمة الأدوية المعتمدة، إذ لم ترفضه إدارة الغذاء والدواء الأميركية (FDA)، لكنها لم تمنحه الموافقة أيضاً، في انتظار استكمال ملفه التنظيمي وتقييم سلامته وفعاليته. ومن المتوقع أن تتقدم الشركة بطلب الترخيص خلال الربع الأول من عام 2027. وهنا تظهر المفارقة الأبرز: دواء لم يُسمح بعد بتسويقه للاستخدام البشري، فيما بدأت مستحضرات تحمل اسمه تُعرض خارج القنوات الطبيّة المعتمدة. وقد حذّرت السلطات الأميركية من شراء هذه المنتجات، لأن تركيبها وجودتها وسلامتها غير مضمونة.
والقلق لا يرتبط بالتسويق وحده، فالتجارب نفسها تسجل آثاراً جانبية تستحق الانتباه. ففي أحدث مقارنة مع أوزمبيك، توقف نحو 8% من مستخدمي الجرعة الأعلى لريتاتروتايد عن العلاج بسبب الأعراض الجانبية، وفي مقدمتها الاضطرابات الهضميّة. أما تأثيرات الاستخدام الطويل الأمد، وانعكاسات فقدان الوزن الكبير على العضلات والحالة الغذائية، فما تزال تتطلب متابعة علمية.
لكن، بعيداً عن المنافسة بين شركات الأدوية، تكشف هذه التطورات تحولاً أعمق في التعامل مع السمنة. فمرض يصيب نحو 1.1 مليار شخص حول العالم، وفق منظمة الصحة العالميّة، بات يحظى بخيارات علاجيّة لم تكن متاحة بهذه الفعالية قبل سنوات. وفي المقابل، يزداد خطر الخلط بين العلاج الضروري طبياً واستخدام الأدوية لإنقاص الوزن لأسباب تجميليّة، تحت تأثير النتائج المتداولة على منصات التواصل الاجتماعي. وتبقى مسألة استدامة النتائج تحدياً لا يقل أهمية عن خسارة الوزن نفسها. فقد أظهرت أبحاث سابقة حول أدوية من الفئة نفسها أن التوقف عن العلاج قد يؤدي إلى استعادة جزء ملحوظ من الوزن، ما يطرح تساؤلات حول مدة الاستخدام، والتكلفة، والقدرة على الحفاظ على النتائج بعيداً عن الحقن المستمرة. وفيما تتجه الأنظار إلى ريتاتروتايد بوصفه أحد المرشحين لقيادة الجيل المقبل من أدوية السمنة، ما تزال هناك مسافة بين النتائج المعلنة والعلاج الذي يمكن وصفه بأمان لملايين المرضى.
فالمنافسة العلميّة قد تنجح في خفض الوزن إلى مستويات لم تكن متوقعة، لكن النجاح الحقيقي لن يُحسم داخل المختبرات وحدها. إذ قد نصل قريباً إلى مرحلة يصبح فيها إنقاص الوزن أسهل من أي وقت مضى، فيما يبقى التحدي الأصعب هو ضمان ألّا تكون الكيلوغرامات المفقودة على حساب صحة الإنسان.

