زياد العسل_خاصّ الأفضل نيوز
يسودُ الحديث اليوم في المسرح السّياسي اللّبناني، حول ما ستؤول إليه العلاقة بين حزب الله والتّيار الوطني الحرّ، وسط توقّعات من هنا وهناك، وتمنّيات هنالك، تارة للتّشبّث أكثر وطورًا للفضّ. فهل باتت العلاقة في خواتيمها ربطًا بالملفّات الداخلية ذات المقاربات المختلفة، أو أنّ ما رُسم من علاقة ثابتة استراتيجية يستحيل أن يُطوى مع أيّ ملفٍّ جوهريٍّ.
وفي حديثٍ خاصّ بموقعنا يعتبر الشيخ صادق النابلسي "أنَّ لا شك أنّ هناك مجموعة عوامل حكمت تأسيس العلاقة بين التّيار وحزب الله بصيغة تفاهم مشترك، ولم تكن هذه العوامل إلّا وطنيّة واستطاعت أن تحقّق نتائج ولو لم تكن هذه النتائج مكتملة. ولكن حين تقوم العلاقة لا يستطيع أحد القفز عنها وعدم أخذها في الحسبان. السّلم الأهلي ومواجهة عدوان تموز ثمّ داعش والتّنظيمات الإرهابية وإيصال العماد ميشال عون إلى سُدّة الرّئاسة والتّحالف الانتخابي كلّها أمور ليست بسيطة في مواجهة خصوم الداخل وأعداء الخارج الذين استخدموا القوة الصّلبة والقوة الناعمة والضغوط الاقتصادية والدبلوماسية والدعائية والإعلامية والنفسية والمالية وغيرها للتأثير على هذه العلاقة، كما كان للمنظّمات غير الحكومية دورٌ في تصديع العلاقة ومحاولة تفشيلها للقول إنّ العلاقة لا يجب أن تستمر".
يضيفُ أستاذُ العلوم السّياسية في الجامعة اللبناتيّة: "إنَّ الكلّ يعرفُ أنّ العلاقة بين التيار والحزب شكّلت ما يشبه توازنَ ردعٍ مع الخصوم والأعداء وضمانة أن لا ينزلق البلد إلى الفتنة والحرب الأهلية ولكن ذلك لا يعني أنّ الأعداء والخصوم لم يُرهقا التيار والحزب. بل يجب الاعتراف أنهما عقّدا الأمور عليهما ووضعا الصعاب في وجهيهما والتّحدّيات أمامهما ولم يسمحا في تحقيق الأهداف المتعلّقة ببناء الدولة، على الرغم من حقيقةٍ يجب أن نؤكّد عليها أيضاً أنّ بناء الدولة قضية لا ترتبط بطرفين ولا بطائفتين مهما بلغت قوتهما طالما النّظام في لبنان هو نظامٌ طائفيٌّ وهو نظام تقوم على حمايته شبكة مصالح عميقة في الداخل والخارج ولها أدوات وحركات ودول تمنع أيّ تغيير أو كسر للقواعد المعمول بها تاريخياً".
المطلوب أمريكياً وفق النابلسي هو إنتاج بيئة معادية للمقاومة والعهد وقد حقّقت أمريكا نجاحاً ولو نسبياً بعد حراك ٢٠١٩ وتفجير مرفأ بيروت وفق النابلسي، وتركّزت الضّغوط لإخراج المقاومة من السلطة وإسقاط العهد دستورياً وسياسياً وشعبياً وإتاحة دور للفرنسيين بإعادة إنتاج السلطة وفقاً لمصالح أمريكا وحلفائها الإقليميين والمحلّيّين. والذي ساعدَ على حالة الإرباك أكثر بين الحليفين الانهيار المالي الذي أدّى إلى تفلّت الأزمة في وقت كان المطلوب المزيد من الجهد من قبل التّيار والحزب لضبط الانهيار بما يحول من الوصول إلى الحالة الراهنة على مستوى العلاقة وأيضاً على مستوى البلد ككلّ.
يضيفُ: لا شكّ أنّ المقاربات المختلفة للأزمة دخيلة في بعض التّوتّرات بين الطّرفين والجمهورين ففي الوقت الذي كان حزب الله يفضّل سياسة تصحيحيّة للنّظام على نارٍ هادئة بما يتناسب عنده مع أولويّة الاستقرار والسّلم الأهلي وتجنّب الفتنة الشيعية- السنية، كان التّيار يستعجل التّغيير والإنجازات للعهد، ولكن دون ذلك صدام مع أركان السلطة الذين كانوا يتموضعون ويصطفّون لمواجهة رئيس الجمهورية بشراسة.
ومن النّقاط التي يجب إيضاحها أنّ التّوازنات التي شكلها كلّ من التيار والحزب حالت دون وقوع حرب أهلية ولكنها لم تستطع أن تنجز قواعد عمل جديدة في السياسة. لم تكن الظروف مثالية لكليهما لتحقيق ما أراداه من واقع أفضل للبلد. لقد تمّ حصار الحليفين بتحدّيات هي عبارة عن معضلات كبيرة والمعضلات ليس
لها حلول مريحة، وما كان يطرحه حزب الله على التيار أمام الظروف المستجدة هو الذهاب معاً انطلاقاً من موضوعات مركزية لها صلة بالتخفيف من معاناة الناس. أما الموضوعات التي تتداخل فيها التعقيدات الطائفية ولها امتدادات عميقة خارج لبنان فيجب التعامل معها ضمن إطار التوازنات التي تحفظ البلد ولا تؤدي إلى مزيد من الانقسامات.
وممّا لا شكّ فيه أنّ الأمر يحتاج إلى حسابات معقّدة وعلى التيار والحزب التوفيق بين الكثير من العناصر وبالتالي لم يكن سهلاً على كليهما تقديم أجوبة مريحة لبعضهما البعض وترجمة كل رغباتهما على أرض
الواقع، وهذا يعني أمراً رئيسياً هو أنّ هناك بوناً واسعاً أحياناً بين الآماني والإمكانات التي يجب أن لا تعني تهميشاً للتفاهم وازدراء عناوين الشراكة بمجرد أنّ الظروف لم تساعد على تحقيقها بالكامل.
يعتقدُ النابلسي:إنَّ على التيار والحزب أن يذهبا إلى خطاب سياسيّ مختلف في شكله، لا يعني ذلك الخضوع للأمر الواقع والتّسليم للخصوم والأعداء. أبداً، ولكن كلا الجمهورين ينتظر من التّيارين الكبيرين تقرير السياسات التي يجب اعتمادها في الموضوعات المختلفة ذلك أن التغييرات التي تحدث على الصعيد الداخلي والخارجي تستوجب إعادة بناء الشراكة لا التّخفّف منها والعمل على تحقيق المزيد من الالتزامات بدل السّير في مسارات متوازية، ولا شكّ أنّ مسار بناء الدولة شكّل امتحاناً جدّياً في تاريخ العلاقة لكن تحدّي الوجود المرتبط بالكيان هو أعمق وبالتالي يجب العمل على الأولويّات بعد الاتفاق عليها معاً، لا أن تكون أولويّة التيار شيئًا وأولوية الحزب شيئًا آخر وهذا لا يتمّ إلّا عبر الحوار
اليومي المكثّف، إذا كان للشّراكة أن تثمر فيجب مواصلة استراتيجية الشّراكة وعدم الاكتفاء بما تحقّق وسد الثّغرات والابتعاد عن سياسة "الإدارة عن بعد" في بعض الملفّات".
إنَّ التّفاهمَ "الجواني" مدخلٌ لئلّا تحصل تباينات وشرط ذلك الوقوف على التّفاصيل التي تكمن فيها التعقيدات وبناء غرفة لمتابعة تفاصيل كلّ ملفّ وكيف يمكن مقاربتها بعيداً عن المنابر الإعلامية،
على الرغم ممّا حصلَ فليس من مصلحة الطّرفين فضّ التّفاهم لأنّ مصلحة الخصوم والأعداء إعاقة أيّ شراكة وطنيّة. وحتّى نبني وطناً لا بدّ من شركاء وطنيّين".وفق ما يُنهي النابلسي لموقعنا.
تختلفُ النّظرةُ لتحالف الحزب والتيار، وذلك وفق مقاربة كلّ طرف من الأطراف الداخلية، عطفًا على مصالحه ورؤيته للمشهد، ولكنْ ممّا لا شكّ فيه، أنّ هذا الاتفاق كان حدثًا نوعيًّا في العصر السياسي اللبناني الحديث ، وأنّ الحديث عن فضّه هذا التّفاهم بغض النّظر عن الرّؤية إليه، سيكون أيضًا أمرًا يُغيّرُ المشهدَ برمّته.

