عماد مرمل - خاصّ الأفضل نيوز
بعدما قفزَ الدّولار، البارع في ألعاب الجمباز، إلى مستوياتٍ غير مسبوقةٍ، قرّرت الأجهزة الأمنية بناءً على إيعازٍ قضائي ملاحقة الصّرافين المضاربين وغير الشرعيّين، سعياً إلى ضبطِ إيقاعِ السّوق السّوداء ولجمِ جنوحِ، بل جموحِ العملةِ الخضراء الآخذة في التهام الأخضر (بالأحرى ما تبقى منه) واليابس.
وإذا كانت هذه الحملةُ ليست الأولى من نوعِها، إلا أنَّ ما ميّزها هذه المرة هو أنها شملت "حيتان" المضاربة على الليرة اللبنانية، حيث وقعت أسماءُ كبيرةٌ في القبضةِ الأمنيةِ التي أصبحت بين ليلةٍ وضُحاها "حديدية" بعدما كانت "حريرية" الملمس، ما أعطى انطباعاً بأنَّ هناك قراراً قضى بتوجيهِ ضربةٍ تحت الحزام إلى الصرافين العابثين بالأمن النّقدي بغيةَ تحجيمهم وترويضهم إثرَ انتفاخ حجمهم في الفترة الأخيرة إلى درجة أنهم صاروا "حاكمين" إلى جانب حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي استعان برئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي لمحاولة السيطرة على الوضع المتفلّت.
ووِفقَ العارفين، فإنَّ التّجاوبَ الفوريَّ لميقاتي مع "نداء الاستغاثة"، الذي تُرجِم بالتّحرك القضائي الأمني الحازم، إنما يعكس بدوره قلقاً أصاب السّلطة السّياسية من التّداعيات الوخيمة التي قد تترتب على الاقتصاد والشارع في حال استمرار صعود الدولار، وسط خشية سادت من أن يواصل ارتفاعه في اتجاه المئة ألف ليرة.
كذلك، نُقل عن الرئيس نبيه بري تأكيده ضرورةَ التّصدي للمضاربين، قائلًا ما معناه: لا غطاءَ سياسيًا لأحد، وكل من يدّعي أنه محسوبٌ على حركة أمل اقطعوا رأسه.
ولعلّه لم يعُد خافياً أنَّ كبار المضاربين كانوا قد تحوّلوا في فترةٍ ما إلى "عازفين" على وتر الدّولار بقيادة "المايسترو" سلامة الذي كان يوزّع الأدوار عليهم لتجميع العملة الصّعبة وفق معاييره واحتياجاته، لكن ما لبث أن انقلب السّحر على السّاحر وأصبح هؤلاء يتحكمون بسلامة بدل أن يكون هو الحاكم بأمرهم، فاقتضى العمل لإعادتهم إلى "بيت الطاعة" وإخضاعهم إلى "فركة إذن" تبعًا لتوصيف أحد المواكبين لعاصفة الملاحقات التي هبت على المطلوبين.
لكن اللّافت أنَّ توقيف عددٍ من كبار المضاربين لم ينعكس هبوطاً في سعر الدّولار كما توقّع البعض، وإن كانت وتيرة ارتفاعه قد هدأت نسبياً.. إلى حين.
وتَعتبر أوساطٌ اقتصاديّة أنَّ المضاربين، وعلى رغم سوء أفعالهم التي تستوجب محاسبتهم، يبقون العامل الأقل انعكاسًا على سعر الدّولار، لافتة إلى أنَّ هناك أسبابًا اقتصاديّة وماليّة لصعوده، ومن دون معالجتها جذريًا، يظل مفعول أي تدبير متواضعاً ومقتصراً على التّخفيف من وطأة النتائج.
وتشير الأوساط إلى أنه ومن غير إقرار خطّة متكاملة للتّعافي وإنجاز الاتفاق مع صندوق النّقد الدّولي، وتنفيذ الإصلاحات المطلوبة، وإقرار قانون الكابيتال كونترول، وإعادة الانتظام إلى مؤسسات الدولة عبر انتخاب رئيس الجمهورية، وتشكيل حكومة أصيلة، فإنَّ السيطرة على الدّولار ستبقى صعبةً، مشدّدة على أنَّ الاستقرار النّقديَّ يحتاج إلى بيئة ملائمة لا تزال غير متوافرةٍ بعد في لبنان.
وتعتبر الأوساط أنَّ بداية المعالجة تكون في ملء الشّغور الرّئاسي بالشّخص المناسب القادر على إدارة الإنقاذ وليس الازمة، منبهة إلى أنَّ تمادي حالة انعدام الوزن في البلد سيُفاقم المخاطر الاقتصادية والاجتماعية، ما يستدعي التّعجيل في الحل قبل أن تصبح كلفته أكبر.

