هادي بو شعيا - خاص الأفضل نيوز*
ربما لا توجدُ كلماتٌ قادرةٌ على وصفِ صبرِ الصينيين، لكن يبدو أن لصبرِ الصّين نوعيْن: صبر يعتقده البعض ضعفًا وخنوعًا، وخضوعًا أمام الأميركيين، وصبر آخر يقول الصّينيون: إنه في انتظار عزٍّ قادم، وما بين الصبريْن اختباراتٌ أميركيّة واستفزازاتٌ صينيّة، كان آخرُها تحليق منطادٍ صينيّ في سماءِ الولاياتِ المتّحدة الأميركية، الذي يعقُب ما رشح من أنباءٍ عن زيارةٍ مرتقبةٍ لرئيسِ مجلسِ النّواب الأميركي الجديد كيڤن مكارثي إلى "الجزيرة البركان"، والمقصود هنا تايوان المتوقع حدوثها الربيع المقبل، التي بدأت وزارة الدّفاع الأميركيّة "البنتاغون" التّحضير لها.
لعلّ ما علِق في أذهانِ الأميركيين من الزيارة الأخيرة من مثل هذا المنصِب إلى تلك الجزيرة شرارة كادت أن تُودي إلى حربٍ كونيّةٍ كبرى، والكلام هنا يشير عن زيارة رئيسة مجلس النّواب الأميركي السابقة نانسي بيلوسي لتشكّل أكبر استفزاز لبكين في العصر الحديث. وعلى ما يبدو، لم تكتفِ واشنطن بالاستفزاز السّابق الذي أدّى إلى استنفار صيني. إذ تخطّط لتوجيه الضّربة القاضية لصبر الصينيين، علمًا أنها ليست الضّربة الوحيدة التي خرجت مؤخّرًا من واشنطن. فقد سبقها تحرّكات أميركيّة- يابانيّة قالت الصين "إنّها غير مقبولة".
لكن قبل ذلك، كان لا بد من العودة قليلاً إلى الوراء لإجراء قراءة عملانيّة لخطوات واشنطن تجاه بكّين، ذلك أنه، وعلى عكس ما كان متوقّعًا، فبعد الغزو الرّوسي لأوكرانيا، لم تلتفت واشنطن لموسكو بقدر ما ركّزت على بكين وبدأت سلسلة تحرّكات بعدما أدركت قبل غيرها أن ما أقدم عليه الرّوس سيفتح شهيّة الصينيين، خصوصًا أن القلق الذي ينتابُ أميركا من الصّين يفُوق القلق الذي تشكّله روسيا، نظرًا لما يمثّله التّنين الصّيني من تهديد صريح لعرش أبناء "العم سام" على قمّة العالم، فارضًا تمدّدًا اقتصاديًا وعسكريًا وتاليًا سياسيًا.
منذ ذلك الحين، وحتى قبلَ ذلك، سعت واشنطن لتطويق بكّين عبرَ عقوباتٍ اقتصاديةٍ طالت كُبريات الشّركات الصينية إبّان حقبة الرئيس السّابق دونالد ترامب.
وبالتّزامن مع ذلك، كانت واشنطن عملت على إقامة حلف "أوكوس" AUKUS السياسي- العسكري يضمّ الدّول النّاطقة باللغة الإنكليزية حول العالم (أستراليا، بريطانيا والولايات المتّحدة) واتبعته بحلف اقتصادي ضمّ في معسكره الهند وآخر جديد بات يُعرف بـ"الناتو الآسيوي" يضم كلاً من اليابان وكوريا الجنوبية وأميركا في مؤشرات واضحة على اعتزام واشنطن تحجيم الصين التي تعتزم توحيد الصين بضمّ تايوان في 2025 وفق ما ذكرته صحيفة "واشنطن بوست" نقلاً عن تصريحاتٍ لأكبرِ الجنرالاتِ الأميركيين ورئيسِ قيادةِ التّنقل الجوّي مايكل مينهان الذي قال: "إن حربًا عالميّة ثالثة قد تندلعُ بين واشنطن وبكين في 2025 وذلك لأسباب عدة:
- رغبةُ الرّئيسِ الصّيني شي جين بينغ الجامحة بقيادة التّنين الصّيني إلى الأبد.
- فرضُ سطوتِه على الصينيين عبر إنجاز ما حَلُم به الصينيون طويلاً عبر "توحيدِ الصين" وهي القضيّة التي باتت مصدر قلاقل سكان برّ الصين الكبير. إذ لطالما فضلت بكين ضمّها سلميًّا.
بيدَ أنّ واشنطن ترفضُ فكرةَ أي انتصار سهل للصين، وبدأت بـ"تفخيخِ المنطقةِ بالألغام" وجعلِها جاهزةً إزاء أي قرار صيني بالتّحرك لضمّ الجزيرة بغيَة انفجارِها بوجههم في رغبة أميركية جامحة لإضعاف أقوى خصومها طويلاً.
وفي تفنيدٍ لعبارةِ تفخيخِ المنطقةِ نجدُ أن الولايات المتّحدة قامت بسلسلة خطوات:
- تسليحُ تايوانَ لجعلها قادرة على المواجهة بحدودها الدنيا.
- تفعيلُ خيارِ اليابانيين عبر الإيعاز لطوكيو بإعادة بناء جيش السّاموراي والذي لطالما تجرّأ على بلاد التنين عبر احتلالها ونشر الخراب والدّمار والمجازر التي لم ولن تمحى من ذاكرة الصينيين الجماعية.
- إطلاقُ العنانِ لبلاد الفيل والكلام هنا عن الهند الطامحة والراغبة بقوة بشغر مقعد بكين وورثتها حتى وهي على قيد الحياة. وما بين دلهي وبكين من عداوة وعداء ما يكفي لجعلهما على شفا حربٍ كبيرةٍ قادمةٍ.
من جهتِها، وإزاءَ تحركاتِ الولايات المتّحدة أطلقت الصين العنان لكوريا الشمالية صاحبة القوة النّووية وعدوّة أميركا اللّدودة. وليس هذا فحسب، فكما أحييت واشنطن أحلام دلهي خرج الرّئيس الصّيني نفسه ليؤكّد على أن بلاده ستستمر بدعم باكستان عدوة الهند حتى النخاع.
وبناءً على ما تقدم، يبدو أن عالمًا بحدّ ذاته يترقّب وينتظر أكبر تنافسٍ وصراعٍ منذ اندحارِ الحربِ الباردةِ إبانَ زمنِ الاتحاد السوفياتي.
وعلى عكس الحرب الأميركيّة- السوفياتيّة الباردة، فحرب الأميركيين مع الصينيين قد تكون أكثرَ سخونةً، خصوصًا مع تصريحات بايدن التي أكّد فيها أن بلاده ستتدخل عسكريًا لحماية تايوان في حال تعرّضت لخطر قادم من الصين.
عودٌ على بدءٌ، وعلى عكس ما تقوله السّياسة، تعتزم واشنطن الدّفع نحو ممارسة استفزاز بكين بحدوده القصوى. وهذا ما بدا مؤخرًا من خلال إعلان مكارثي خليفة بيلوسي عزمه زيارة الجزيرة البركان أو الملغومة.
وفي حال تمّت هذه الزيارة، وفق ما أعلنت واشنطن، فذلك يعني أعلى استفزاز لبلاد التنين الذين هدّدوا سابقًا بيلوسي بإسقاط طائرتها، لكن هذا ما لم يحدث! لكن تكرار الأمر نفسه يوضح إصرار أميركا على الاستهزاء بمشاعر الصينيين الذين قد يتّخذون من الزيارةِ ذريعةً لتوحيدِ الصين، ما سيدفعهم لاجتياح تايوان وإنهاء قضيّة أرّقتهم لعقود، ووضع حدّ لمسألة يؤمن الصينيون أن أميركا تستغلّها للضّغط عليهم. وهذا ما ستكشفه السّنوات المقبلة الحاسمة وربما قبل ذلك بكثير!.

