يحيى الإمام - خاص الأفضل نيوز
عندما هاجمتِ القواتُ الفرنسية الغازية دمشق، كتب أمير الشعراء أحمد شوقي قصيدته الشهيرة التي قال في مطلعها:
(سلامٌ من صبا بردى أرقُّ
ودمعٌ لا يكفكف يا دمشقُ
ومعذرة اليراعة والقوافي
جلالُ الرّزء عن وصفٍ يدقُّ)
وما أشبه اليومَ بالأمس ونحن نشهد كارثةً إنسانيةً جراء الزلزال الذي ضرب عشرَ ولاياتٍ في تركيا وأربعَ محافظات في سورية وخلَّفَ آلاف الضحايا والمصابين في الوقت الذي ترزح فيه سورية تحت حصارٍ أمريكيٍّ جائر نتيجة ما يسمى بقانون قيصر.
إنَّ الشعبَ العربيَّ السوريَّ شعبٌ مؤمن وقد تقبّل مشيئةَ الله سبحانه بكلِّ صبر وإيمان، ولكن أكثر ما آلمه وحزّ في صدره هو خذلان الأشقاء العرب وتلكؤهم في إغاثة المنكوبين ونجدة المحتاجين خلافاً للقيم التي كانت سائدةً عند العرب حتى في عصر الجاهلية، وما ذلك إلا لاعتبارات سياسية أو إرضاءً للأمريكيِّ الذي يريد إخضاعَ سورية من خلال تجويعها وبذريعة كاذبة كذريعة أسلحة الدمار الشامل التي استخدمها كولن باول لتبرير العدوان الهمجيِّ على العراق الشقيق ورغم أنَّ ما يُسمى بقانون قيصر يتضمن استثناءات في مثل هذه الحالات.
والشعبُ العربيُّ السوريُّ الذي تبنى كلَّ قضية عربية محقة وناصر كلَّ الأشقاء العرب في مواجهة الاحتلال،وفي الحروب وفي معارك التحرر والاستقلال لن ينسى جميل الذين كسروا الحصار وساهموا في نجدة المنكوبين بالزلزال في محافظات حلب واللاذقية وإدلب وحماه، وهو يشكر الجزائر و العراق والكويت والإمارات وعمان ولبنان ومصر لتعزيتهم ولمدِّ يد العون إليهم بنسب في هذه المحنة التي يواجهها بالتأكيد.
لقد كانت زيارةُ الوفد الوزاريِّ اللبنانيِّ إلى دمشق بهدف تعزيتها والوقوف إلى جانبها في المصاب الأليم الذي أصابها من خلال فتح المطار والمرفأ للمساعدات العاجلة وإعفائها من الرسوم، واقعةً في محلها الصحيح، وكانت أيضاً بمثابة ردّ الجميل الأخويِّ لسورية التي وقفت إلى جانب لبنان في محنته ودافعت عن وحدته وعروبته وواجهت معه العدوانَ الهمجيَّ الصهيونيَّ وقدمت أكثر من خمسة عشر ألف شهيد لكي يعيش حراً سيداً مستقلاً، كما كانت القوافل الشعبية التي انطلقت من شمال لبنان وجنوبه وبقاعه باتجاه اللاذقية وجبلة محملة بالثياب والمواد الغذائية والحملات التي لا تزال تتحضر للانطلاق مثالاً يحتذى في الوفاء وتأكيداً على وحدة الشعبين الشقيقين.. نعم "إنَّ سورية ولبنان شعب واحد في دولتين" كما قال الرئيس الراحل حافظ الأسد، فلن تستطيع اتفاقية سايكس بيكو ولا قانون قيصر هدم جسور التلاقي والتواصل بينهما، وقد صدق الشاعر حين قال:
(ونحن في الشرق والفصحى بنو رحمٍ
ونحن في الجرح والآلامِ إخوانُ).
إنَّ هذه التحركات الجماهيرية العربية وما سبقها من ثورة على القيد والحصار والخنوع والخضوع لإرادة الأمريكيِّ عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كانت مشهودةً ومرصودةً وقد أسهمت بالضغط على حكومات الدول الشقيقة والصديقة ودفعت بالخارجية الأمريكية في الساعات القليلة الماضية إلى توضيح موقفها في الحديث عن الاستثناءات الإنسانية وعدم ممانعتها تقديم المساعدات للمتضررين من أهلنا في سورية رغم سيطرتها على النفط في شرق الفرات.
وإنَّ دمشقَ التي كانت قلبَ العروبة النابض كما وصفها القائد الخالد جمال عبد الناصر، قد باتت اليوم قلبَ العروبة النازف، ولكنها رغم الابتلاء الكبير مؤمنةٌ وثابتة، ورغم الحصار عزيزةٌ وأبية، ورغم ضعف الإمكانات وخذلان ذوي القربى قوية، وسيدرك من لم يدرك حتى الآن من الأشقاء العرب أن لا عزة له إلا إذا اعتزت دمشق، ولا قيمة لجامعة الدول العربية ولا للعرب إذا غابت دمشق.. كيف لا؟ والله سبحانه في الحديث القدسيِّ قد قال بلسان نبيه العربي (ص): [ يا شام يا شام يدي عليك يا شام، أنت صفوتي من بلادي، أدخل فيك خيرتي من عبادي، أنت الأندر وإليك المحشر].

