هادي بو شعيا -خاصّ الأفضل نيوز
في خطوةٍ غير مفاجئةٍ ولكن بإعلان مفاجئ، اتفقت المملكةُ العربية السعودية وإيران على استئناف العلاقات وإعادة فتح سفارتَيْ البلدين في خلال مهلة شهرين فقط. أما اللافت كان الإعلان الذي جاء من بكين ببيان ثلاثيٍّ رسميٍّ لتقطف الصين بذلك ثمار الجهود الديبلوماسية التي جرت على مدى السنوات والأشهر الماضية إثر القطيعة الشهيرة بين طهران والرياض عام 2016. ما يطرح سلسلةَ تساؤلات حول هذه الخطوة:
ما الذي سرَّعَ من وتيرة التفاهمات الآن؟
وما الخطواتُ التاليةُ لهذا الاتفاق؟ وكيف دخلت الصين، وبشكل مفاجئ، على رقعة الحوار السعودي-الإيراني؟ وهل أصبحت بكين الآن صمّام الأمان في المنطقة عوضًا عن الولايات المتحدة الأميركية؟
مما لا شكَّ فيه أنَّ هناك جملةً من الأسباب التي دفعت باتجاه هذه الخطوة:
- السببُ الرئيس، أنَّ هناك نظامًا عالميًا بدأ يتشكّل وتجلّى مخاضه العسير في خلال الفترة القليلة الماضية، حيث قررت المملكة العربية السعودية أن تكون جزءًا مهمًّا في هذا العالم الجديد.
- السبب الثاني، تلقّف المملكة العربية السعودية لمساعي إيران في إطار تغيير سلوكها السياسيِّ في المنطقة، نظرًا لما جنته من تجربة الماضي ومدى تأثيرها السلبيِّ عليها وعلى المنطقة عمومًا.
للتذكير فقط إنَّ هذا الاتفاقَ كانت قد سبقته جولة طويلة من المفاوضات في العراق ،وبرعاية عراقية عبر حكومتَيْها السابقة والحالية، فضلاً عن بعض اللقاءات المهمة بين وزيريْ خارجية البلدين التي استضافتها سلطنة عمان في قمة "بغداد 2" في الأردن، وتحديدًا على ضفاف البحر الميت قبل قرابة شهرين والتي استُتْبِعت بغزل خليجيٍّ على ضفاف الخليج العربي، مرورًا بإبراق رسائل إيجابية من هنا وهناك، وصولاً إلى توقيع الاتفاقية بعد تباحثٍ طويل من قبل مسؤولَيْن أمنيَيْن رفيعَيْ المستوى ما يشي بالتوصل إلى الاتفاق حول القضايا الأمنية.
لعلَّ ما يبرز المعطياتِ الإيجابيةَ في سياق القضايا الأمنية تمثّل بإشارتَيْن أساسيتَيْن: الأولى : تغريدة للمتحدث باسم جماعة "أنصار الله" اليمنية (الحوثيون) محمد عبد السلام دون ذكر الاتفاق السعودي-الإيراني صراحة: "المنطقة بحاجة لعودة العلاقات الطبيعية بين دولها، تسترد بها الأمة الإسلاميةُ أمنَها المفقود نتيجة التدخلات الأجنبية وعلى رأسها الصهيوأمريكية، التي عملت على الاستثمار في الخلافات الإقليمية واتخذت الفزاعة الإيرانية لإثارة النزاعات وللعدوان على اليمن".
أما الثانيةُ فجاءت على لسان أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله أثناء كلمة له في ذكرى رحيل القائد أسد محمود صغير (الحاج صالح) عرّج فيها على الاتفاق قائلاً: "التَّحولُ المتعلق بالتقارب السعودي -الإيراني جيد ولن يكون على حساب شعوب المنطقة وإنما لمصلحتها، وفي حال سار التقارب السعودي -الإيراني في المسار الطبيعي فيمكن أن يفتح آفاقا في المنطقة وفي لبنان أيضاً". مما يشي بأنَّ هناك تحلحلاً لكثير من قضايا المنطقة.
- السبب الثالث والأهم يتمثل بوجود ضامنٍ رئيسٍ بحجم دولة كبرى كالصين أحد الأعضاء الكبار في مجلس الأمن الدولي، فضلاً عن المصالح المشتركة التي تربطها في المنطقة وتحديدًا بإيران من جهة، والمصالح الخاصة مع المملكة العربية السعودية.
على الصعيد الدولي، يجب الإقرار بأن هذا الاتفاق يتجاوز الوصاية الأميركية، ضاربًا عرض الحائط كلَّ المحاذير الإسرائيلية منذ أيام حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو مرورًا بحكومة نفتالي بينيت ومن ثم عودة نتنياهو الآن.
لكن لا ينبغي حصر تحليل التقارب السعودي-الإيراني في بعده الثنائي فحسب، بل يجب الانفتاح على بعده الدولي الذي يؤشر إلى ثلاث دِلالات أساسية: دلالة إقليمية ودلالتان دوليتان.
- الدلالة الإقليمية، تفيد بأنَّ مصلحة الاقتصاد السياسي بين إيران والسعودية بمعيّة الصين التي تعتبر أكبر شريك تجاري للرياض وإيران على حدّ سواء، ما يقود إلى ضرورة الحفاظ على هذا المثلث بكين-الرياض-طهران. ولا شك أن ذلك سيساعد إيران على الخروج من العزلة الدولية المفروضة عليها منذ سنوات. إذ كان متوقعًا حدوث هذا الاتفاق نتيجة إرهاصات عدة تمثلت بتخفيف هجمات الحوثيين باتجاه مواقع حساسة داخل السعودية، وذلك نتيجة توصية أو اقتراح إيراني بتهدئة الأوضاع الذي أثمر حصاد السلام بين اليمنيين والسعوديين.
- الدلالة الدولية الأولى، تتمثل بالصين التي ساهمت بتوقيع هذا الاتفاق، حيث حضر وفدان -سعوديٌّ وإيرانيٌّ اجتماع الحزب الشيوعي الصيني وتنصيب الرئيس الصين شي جين بينغ للمرة الثالثة على التوالي لفترة خمس سنوات إضافية، ما يمثّل تتويجًا ليس للزعامة الصينية في الداخل فحسب، بل أيضًا تستطيع أن تلعب أدوارًا دولية كبقية الدول الكبار على غرار ما كانت عليه الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة في وقت من الأوقات.
إذن ،تمارسُ الصين اليوم ما يعرف بحتمية الاقتصاد السياسي. وتجدر الإشارة هنا إلى أنَّ الصين كانت أكبر مستورد للصادرات النفطية الإيرانية عام 2018 وقتما قرر الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب تصفير التصدير النفطي الإيراني. أما اليوم بات هناك نافذة مفتوحة على مزيد من حيوية هذا الاقتصاد. ذلك أن الصينيون يريدون الأسواق والبعد التجاري أكثر من أي شيء آخر.
الدلالة الدولية الثانية، تفيد بأنَّ السعوديين كانوا يبلغون الأميركيين بأنهم يجرون مفاوضات مع الإيرانيين بوساطة عُمانية ووساطات عراقية من خمس جولات، لكن واشنطن تقول، كما جاء في تصريح على لسان المتحدث باسم مجلس الأمن القومي جون كيربي، أن الولايات المتحدة لم تحشر أنفها بهذا التفاوض بمعنى آخر يتبين أن هناك إحتباسًا استراتيجيًا أميركيًا في منطقة الخليج.
وإذا ما أعدنا شريط الأحداث في خلال العامين الماضيين نذكر جيدًا كيف رفضت السعودية والإمارات العربية المتحدة الطلب الأميركي بضخ كميات إضافية من النفط داخل منظمة "أوبك+"، ولعلّ ما يفسّر هذا الموقف السعودي السلبي إزاء طلب البيت الأبيض مردّه إلى تغيير بوصلة الخليج العربي باتت متجهة شرقًا على حساب الغرب، خصوصًا أننا لم نشهد منذ أكثر من ثمانين عامًا ضعفًا ووهنًا لما كان يمثل مركزية العلاقات الخليجية-الأميركية عمومًا، والسعودية-الأميركية خصوصًا.
على هذا المنوال، يبدو أن المرحلة القادمة، والتي لن تتخطى الأشهر الثلاثة أو الأربعة على أقصى تقدير، سنشهد ترحيبًا صينيًا بكل من السعودية وإيران للانضمام إلى عضوية منظمة "البريكس" والذي سيمثل التركيبة الاقتصادية الجديدة التي ستقوّي من أوراق الصين في العلاقات الدولية.

