أكرم حمدان - خاصّ الأفضل نيوز
لفتني، لا بل أدهشني، هذا الانفصامُ الكبير الذي يُعاني منه من يدًعون أنهم مسؤولون عن هذا البلد المسكين وأهله (لبنان).
حتى لحظة كتابة هذه السطور، لم أفهم لماذا تحوَّلَ قرارُ تأجيل العمل بالتوقيت الصيفيِّ لمدة شهر، إلى مناسبة سجالية جديدة، لا بل طائفية مقيتة، سيما وأننا في زمن الصوم لدى المسلمين والمسيحيين، وكلُّ القادة والمسؤولين في هذا البلد ينخرون آذاننا بالتصريحات والخطابات عن الوحدة والوطنية والعيش المشترك.
لقد حاولتُ أكثر من مرة، وبذلتُ جهداً مضاعفاً، لكي أفهم سبب هذا السجال البغيض، لكني لم أتمكن أو على الأقل لم يصل مستوى تفكيري، ربما إلى مرحلة إستيعاب هذا الحدث الجلل، وبعد تكرار المحاولات، لم يتبين معي سوى أنَّ ما جرى، ليس بعيداً عن الانفصام الذي ربما يعيشه معظم أو غالبية المسؤولين في هذا البلد، لكنه هذه المرة، هو انفصام عبر "التوقيت الصيفي" ويأتي في مرحلة لعبة الوقت الضائع ،التي يبرع فيها قادة هذا البلد.
يبدو أنَّ العناوين السجالية، قد انتهت ولم يعد يجد المتخاصمون سياسياً، فنوناً جديدة لتقطيع الوقت بانتظار وصول الحلول من الخارج.
وفي التحليل، وحتى بعض المعطيات، لا يصحُّ وصفُ ما جرى في هذا المجال، بأكثر من انفصام لدى الغالبية التي شاركت في هذا السجال العقيم.
ففكرة تقديم الساعة التي تعود إلى العام 1784، وبالتحديد إلى السياسي والمخترع الأميركي، بنيامين فرانكلين، وهي تقوم على توفير الطاقة إذا استيقظت مبكرًا في الصيف، لا أعتقد أنَّ فرانكلين قد خطر بباله أنها ستتسبب بخلاف بين من يعتبرون أنفسهم قادة ومسؤولين في لبنان.
و بما أنَّ أول من طبقها كانت ألمانيا في العام 1916، ومن ثم بريطانيا وفرنسا، من أجل توفير الطاقة خلال الحرب العالمية الأولى، حبذا لو أنَّ الخلاف حولها في لبنان، ينطلق من خلفية تأثير هذا القرار على مستويات النموِّ والإنتاج وليس من أجل المزيد من تقطيع الوقت.
لقد تمَّ إلغاءُ العمل بالتوقيت الصيفيّ في ألمانيا التي كانت أول من طبقه، في عام 1919، ثم أعيد العمل به مرة أخرى في عام 1940، وفي العام 1947 كان ما يُسمى بالتوقيت الصيفيِّ المزدوج، حيث يتمُّ تقديم الساعة لساعتين وليس لساعة واحدة، ثم جرى إلغاء التوقيت الصيفي عام 1949، وبقي الوضع بلا توقيت صيفي حتى العام 1980، حيث أعيد العمل بالتوقيت الصيفي في شطري ألمانيا الشرقية والغربية.
ومنذ العام 1996 يجري العملُ بالتوقيت الصيفيِّ في كلِّ دول الاتحاد الأوروبي، وكذلك الولايات المتحدة الأميركية (ما عدا ولاية أريزونا) وإيران والأردن وكندا وأستراليا وغيرهم.
وبمعزل عمَّا إذا كان الهدف من زيادة ساعة، هو تبكير أوقات الشغل والفعاليات العامة الأخرى، لكي تنال وقتاً أكثر أثناء ساعات النهار التي تزداد تدريجياً من بداية الربيع حتى ذروة الصيف وفقاً للتوقيت الشمسيِّ الذي انطلق منه فرانكلين، فإنّ معظم الناس لا يقومون بضبط جداولهم وفقاً لذلك، فعلى سبيل المثال مواعيد العمل والدراسة والنقل تكون محددة في الوقت نفسه طوال العام، بغضّ النظر عن موقع الشمس.
بناءً على ما تقدم، لم أجد مبرراً لكلِّ السجال الذي جرى، والأفعال وردودها حول هذا الأمر، سوى أنه واحد من ابتكارات القوى السياسية المتساجلة، التي تلعب في الوقت الضائع بانتظار أن تصل وصفة الحلول للشغور الرئاسي وما بعده للبدء بعودة لبنان إلى الخارطة، بينما المواطن اللبناني يعمل جاهداً من أجل تأمين لقمة عيشه، في زمن الصوم الذي يجمع بين المسيحيين والمسلمين.

