هادي بو شعيا - خاصّ- الأفضل نيوز
بينما يُسمع دويُّ المدافع وأزيز الرصاص والصواريخ والطائرات وغيرها من مفردات لطالما ارتبطت بالحروب، تتعالى شيئًا فشيئًا الأصوات المطالبة بإرساء السلام في الجانب الشرقي من أوروبا، حيث تدور رحى حرب كونية بين كييف وموسكو منذ أكثر من 13 شهرًا.
في الواقع، إذا أرادت الصين إنهاءُ الحرب في أوكرانيا، فبإمكانها ممارسة ضغط هائل على روسيا. وفي الوقت نفسه، فإنّ إطالة الحرب باتت تنهك الولايات المتحدة على ما يبدو، علمًا أنه يمكن للخصمين الكبيرين أن يعملا معًا من أجل السلام.
ربما يكون الرئيس الصيني شي جين بينغ، الذي يقدم نفسه صديقًا للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، هو الشخص الوحيد في العالم، الذي له تأثير حقيقيٌّ على ساكن الكرملين. كما أنَّ مذكرة التوقيف بحقِّ بوتين، الصادرة من قبل المحكمة الجنائية الدولية، لم تمنع "شي" من القيام بزيارة له إلى موسكو، إذ ينبع نفوذ الصين في موسكو من قرارات دبلوماسية وتبعية اقتصادية: فالصين، ثاني أهم إقتصاد في العالم، لم تُدِن الغزوَ الروسيَّ لأوكرانيا حتى يومنا هذا. بينما يفرض الغرب عقوبات أكثر صرامة على روسيا، فإنَّ الصين تفعل العكس، وتوسع التجارة مع موسكو.
وفي المقابل، قد تزيد الصين من صادراتها إلى روسيا في وقت أصبحت فيه العلاقات التجارية مع الغرب أكثر صعوبة. وتشتبه الولايات المتحدة في أنه بين الصادرات أيضًا معدات تقنية مدنية يمكن استخدامها عسكريًا.
ونتيجة لكلِّ ذلك، أصبحت روسيا تعتمد بشكل متزايد على الصين. لذلك، فإنَّ بكين لها تأثير على موسكو لا تتمتع به أي جهة أخرى. ويمكن أن يقنع شي بوتين بالتفاوض لإنهاء الحرب إذا أراد ذلك. لكن حتى الآن، لم يظهر شي للرئيس الروسي إلا خطًا أحمر واحدًا بشأن نقطة واحدة فقط هي: أنَّ استخدام الأسلحة النووية مسألة ليست مطروحة للنقاش بالنسبة للصين.
لكن هناك مصلحة صينية عليا أكبر من الحرب؛ الصين بحاجة إلى روسيا كشريك من أجل فرض نظام عالميٍّ متعدّد الأقطاب من دون هيمنة غربية. لذلك، من وجهة النظر الصينية، يجب ألا تخسر روسيا الحرب. وسيكون أيضًا أمرًا سيئًا بالنسبة إلى شي إذا فشل نظام بوتين، لأن ذلك سيكون بمثابة انتكاسة لنموذج حكمه الذي يكرس له أيضًا.
خارجيًا، تحاول الصين أن تعمل كوسيط سلام في حرب أوكرانيا. ومع ذلك، فإنَّ خطة السلام التي قدمها ممثل الحكومة الصينية في مؤتمر ميونيخ للأمن في شباط/فبراير الماضي، لم تقبل بها الحكومات الغربية، لأنها كانت غامضة للغاية وخلت من الدعوة إلى انسحاب القوات الروسية من أوكرانيا، وهي مسألة حتمية لكييف والغرب على السواء.
يُذكر أنه صاحبت زيارة شي إلى موسكو الكثير من خطابات السلام في وسائل الإعلام الصينية، رغم أنَّ شي لم يذكر الحرب هناك علانية. وبدا أن بوتين يشارك في اللعبة بعض الشيء، عندما كتب في مقال لصحيفة "الشعب اليومية" الصينية قبل وقت قصير من الزيارة: "روسيا منفتحة على تسوية الأزمة الأوكرانية بالوسائل السياسية والدبلوماسية".
رغم ذلك، أصرّ بوتين في مقاله على أنَّ كييف يجب أن تعترف "بالحقائق الجيوسياسية الجديدة" مع ضمِّ روسيا لشبه جزيرة القرم في عام 2014 وأربع مناطق أوكرانية العام الماضي. وعلى الرغم من ذلك، لم يردّد في مقاله مزاعمه بأنَّ أوكرانيا ليست دولة حقيقية وأنها تُحكَم من قبل نازيين ومن الضروري ضمِّها إلى روسيا.
غير أنَّ الضغط من أجل البحث عن سلام بين روسيا وأوكرانيا لا يأتي حاليًا من الصين، ولا حتى من قبل طرفي الحرب نفسيهما، ويبدو أنَّ كلَّ طرف منهما لا يزال يعتقد أنه سينتصر عسكريًّا بشكل حاسم.
ويأتي الضغط بشكل أكبر من دول داعمة لأوكرانيا في الغرب، يعاني سكانها من الآثار الاقتصادية للحرب بشكل واضح، مثل نقص الطاقة والتضخم والميزانيات العامة المتوترة. وهو ما يدفع بتلك الدول إلى تقليص ميزانياتها للأمور الأخرى.
بالنسبة لكلٍّ من واشنطن وبكين، فإنَّ حرب أوكرانيا هي في النهاية مجرد جزء من صراع أكبر بينهما وبين نظامين متناقضين، حيث تتمتع الولايات المتحدة بأكبر قدر من النفوذ لدى أوكرانيا، وللصين التأثير الأكبر، إن لم يكن الوحيد، على الكرملين. وفي قمة الاتحاد الأوروبي الأخيرة، كان رئيس وزراء لوكسمبورغ كزافيه بيتيل قد دعا الرئيس الأميركي جو بايدن للتفاوض بشأن خطة سلام مع شي جين بينغ بشأن أوكرانيا. وقال بيتيل إنَّ الدول الأخرى ستقبل ذلك.
ربما يكون هذا ما يفضله العديد من دول الاتحاد الأوروبي: أن يحلّ اللاعبان الكبيران في السياسة العالمية مشكلة أوكرانيا وروسيا فيما بينهما، وبالتالي يحلان مشكلة بالنسبة للأوروبيين أيضًا.

