إسلام جحا - خاصّ الأفضل نيوز
"الكذبةُ البيضاء" أو "الكذبة الصَّغيرة" أو "المزحة"... أيًّا كان المسمَّى وأيًًا كانت الألوان.. تلك الكذبة التي أجريَت لها عمليَّةُ تجميلٍ حتَّى باتت مألوفةً على الألسن وفي النفوس وتقليدًا سنويًا يحتفل العالمُ به بإطلاق النِّكات والأكاذيب على غيرهم، غيرَ آبهين بترسيخ آفةٍ اجتماعيَّةٍ تتناقلها الأجيال عبر العصور، وقد لا تتوقّف عند حدود المزاح. فكيف بدأت فكرة كذبة أوَّل آبريل؟.
يُرجع بعضُ المؤرِّخين أصلَ هذا اليوم إلى عام ١٥٨٢، عند تحوُّل فرنسا من التَّقويم اليوليانيّ في ١ آبريل إلى التَّقويم الغريغوريّ في ١ يناير وفقًا لتوصية البابا غريغوري الثالث عشر عام ١٥٦٣؛ ولأنَّ بعض الأشخاص لم يعرفوا بتغيُّر التَّقويم، فاحتفلوا كعادتهم ببداية العام الجديد، ما عرَّضهم للسُّخرية، فأُطلِق عليهم "حمقى آبريل (april fools)"، وقام بعضهم بوضع شعارٍ لسمكةٍ مصنوعةٍ من الورق على ظهورهم، أطلقوا عليها اسم "Poisson d’Avril" أو "سمكة آبريل"، رمزًا لسهولة اصطيادهم كالسَّمكة.
فيما ربطَ مؤرخون آخرون يوم "كذبة آبريل" بمهرجانات هيلاريا التي احتُفِل بها في روما القديمة، وتضمَّنت فعاليّاتُها أشخاصًا يرتدون ملابسَ تنكُّرية ويسخرون من غيرهم.
أمَّا التَّفسير الأكثر طرافةً لأصل هذا اليوم، فقد قدَّمه "جوزيف بوسكين"، أستاذ التّاريخ بجامعة بوسطن، الذي أشار إلى أنَّ هذه الممارسة بدأت في عهد قسطنطين، عندما أخبر مجموعةً من الحمقى والمهرِّجين الإمبراطور أن بإمكانهم إدارة الإمبراطوريَّة بطريقة أفضل منه، فسمح قسطنطين لمهرّج اسمه "كوجل" بأن يكون ملكًا ليومٍ واحدٍ، وأصبح الأمر حدَثًا سنويًا. ولم يدرك أحدٌ أنَّ بوسكين اختلق الأمر كلَّه إلا بعد مرور أسبوعين، وهذا ما نشرته وكالة أسوشييتد برس التي أدركت أنَّها وقعت ضحيَّةً لكذبة أبريل؛ بدلًا من الكشف عن أصلها. وصحَّحت وكالة الأسوشييتد برس الخبر، واستخدم بوسكين القصَّة لتذكير طلّابه بأنَّ عليهم دائمًا التَّحقُّق من الأخبار والقصص أيًّا كان مصدرُها.
أمّا أشهر الكذبات في أوَّل آبريل، فكانت في العام ١٩٥٧، حيث بثَّت شبكةُ "BBC" قصَّةً عن نبتةٍ نمَت من "السباغيتّي" ما دفع المشاهدين إلى الاستفسار من المذيع حول كيفيَّة الحصول على شتلاتِ وبذور نبتة السباغيتي؛ ما اضطرّ الصِّحافيّين للتّوضيح في نشرة أخبار اليوم التالي عن عدم صحَّة المعلومات التي وردت في الوثائقي.
من المؤسف أن يستوردَ النَّاسُ الكذبَ من بلدٍ إلى بلدٍ بأبهى حُلله وأوضح تجلّياته، حتّى بات تقليدًا أعمى تجاوز مجرَّد المزاح إلى "المقالب الثَّقيلة" واستبدال قيمة الصِّدق، حتى يكاد يطال تعاملاتنا وكلَّ جوانب حياتنا وعلاقتنا مع محيطنا في العمل والجامعة ومع الأهل والأصدقاء، وأحيانًا كثيرةً "الكذب على الذَّات"، في أنّه ثمَّة يوم للكذبة البيضاء وآخر لغيرها.. حتى يغدوَ الكذب طبعًا وممارسةً بطوليّةً والصّدق من فصيل "الدَّروشة"، وعلى مذهب الشَّافعي الذي قال: "أصعبُ الحرام أوَّلُه، ثمَّ يسهل، ثمَّ يُستساغ، ثمَّ يُؤلف ثمَّ يحلو، ثم يُطبَع على القلب، ثمَّ يبحث القلب عن حرامٍ آخر!".

