ممتاز سليمان - خاصّ الأفضل نيوز
يأتي شهر رمضان المبارك هذه السنة على لبنان وشعبه مثخن بالجراح، ينوء تحت ثقل الهموم وعبء الأحمال الملقاة على كاهله.
يأتي رمضان مستقبلا بجنون تاريخي في مسلسل انهيار الليرة اللبنانية بحيث وصل سعر الصرف إلى ما يقارب المئة وخمسون ألف ليرة مقابل الدولار الواحد.
أتى رمضان فاستقبله التجار بارتفاع غير مسبوق وغير مبرر لأسعار السلع حتى تلك التقليدية منها التي ترتبط بالشهر الكريم حيث أضحى صحن الفتوش التقليدي يستوجب إجراء ميزانية خاصة له على مدى أيام الشهر الفضيل.
أتى رمضان شاهدًا على مزيد ومزيد من التحلل في هيكلية الدولة الذي يتفاقم يوما بعد يوم، حيث نشهد انهيار القطاعات العامة واحدًا تلو الآخر، فبعد انهيار القطاع التربوي وإقفال المالية والدوائر العقارية، أتى دور قطاع الاتصالات الذي ينبئ بإعادتنا حرفيًّا إلى العصر الحجري نتيجة توقف الإنترنت، بحيث نكون أول دولة في الكوكب خارج إطار العولمة، لتحلَّ محلَّ هذا القطاع كما حصل في الكهرباء وغيرها كيانات مستولدة في كلِّ حيٍّ ودسكرة تسطو عليه وتتحكم في رقاب الناس.
أتى رمضان هذه السنة وما زالت الطبقة السياسية تعيش حالة الفصام والانفصام وكافة مصطلحات الانفصال النفسي عن الواقع المرير، لتتلهى بقشور الأمور وأجوفها وتسجيل نقاط إعلامية من كل فريق ضدَّ الآخر وحتى ضمن الفريق الواحد.
أتى رمضان بحيث أصبح الاستحقاق الرئاسي ثانويًّا والفراغ اعتياديًّا وتسيير أمور الدولة أو ما تبقى منها يتمُّ بالصدفة وعالخيرة.
أتى رمضان ليكشف أنَّ المتاريس لم ترفع يوما وأنها مابرحت حاضرة في النفوس والأذهان على الدوام، وأنَّ ساعة كانت كافية لإعادة عقارب الزمن إلى الوراء واستحضار الحرب الأهلية وتعرية زيف وهشاشة وضحالة كذبة العيش المشترك والوطن الواحد،
بالرغم من انتهاء الحرب منذ أكثر من ثلاثة عقود نجد الأجيال الجديدة التي ولدت بعد انتهائها بسنوات مشبعة بالكراهية وممتلئة بالحقد والطائفية، وهذا بالطبع عائد إلى أن الحرب انتهت في النصوص وما زالت مشتعلة في النفوس.
ساعة واحدة أعادت خطوط التماس، ومصطلحات من زمن الحرب شرقية وغربية وعندنا وعندهم، بحيث بدا البناء الوهمي الذي ظننا أنه أنهى الحرب الأهلية وأدخلنا عصر العيش الواحد والذي استمر تشييده سنوات أنهي بساعة، وتصاعدت الدعوات والمطالبات التي تدعو إلى الفيدرالية والتقسيم والكانتونات، وكأن أي عبر أو دروس من سنين الحرب لم تكتسب.
أخيرا وبرغم كلِّ شيء كلمة حقٍّ ينبغي أن تقال وهي أنَّ الشعب اللبناني يعيش حالات انقسامية على مختلف المستويات الطائفية والمذهبية، ولعلَّ هذا هو السبب الرئيس الذي يحول دون قدرته على الخروج من مآزقه، فشعب لم تقدر أزمة اقتصادية غير مسبوقة في التاريخ، ونهب ممنهج لكلِّ مقدراته على توحيده لن يكون على قدر الآمال التى تبني مجتمعات تواكب العصرنة والتقدم، على أمل أن تضفي أيام الشهر الفضيل وبركاته سلاما على النفوس وبصيرة في العقول.

