عماد مرمل - خاصّ الأفضل نيوز
من آخر مُفارقات السّياسة في لبنان هو أنّ بعض الأطراف المسيحيّين أصبحوا ناقمين على "الأم الحنون" الفرنسية ورافضين لأيّة صلة نسب بها، متّهمين إيّاها بدعم "المنظومة" ومحاولة منع وصول رئيس سياديّ وإصلاحيّ إلى قصر بعبدا.
بل أنّ بعض الغاضبين من طبيعة الدور الفرنسي في الملف الرّئاسي وصلوا في موقفهم المستجد إلى حدّ اتهام مستشار الرئيس الفرنسي باتريك دوريل بأنّه سمسار سياسيّ يتسبّب عبر سلوكه في الإضرار بمصالح لبنان!
ومن المعروف أنّ المسيحيّين يرتبطون تاريخيًّا بصلات عاطفية وسياسيّة، وثيقة ومميّزة، مع فرنسا التي كانوا ينظرون إليها في اعتبارها الحاضنة الدولية لهم والمتفهّمة لهواجسهم وتطلعاتهم، فإذا بها اليوم تغدو مكروهة ومغضوبًا عليها من جهات مسيحيّة عدّة.
واللّافت أنّ أحد مسؤولي القوّات اللبنانية اقترح، من باب السّخرية على الواقع الفرنسي، أن يتولّى اللبنانيون إجراء وساطة بين ماكرون والمتظاهرين ضدّه في باريس، وذلك في تلميح إلى أن الرئيس الفرنسي الذي يواجه معارضة واضطرابات داخل بلاده ليس في موقع يؤهّله لمعالجة مشكلات الآخرين.
أمّا سبب "انتفاضة" عدد من الأوساط المسيحيّة على الإدارة الفرنسية فتعود بالدرجة الأولى إلى موقفها الداعم لانتخاب رئيس تيار المردة سليمان فرنجية رئيسًا للجمهورية، وسعيها إلى إقناع شركائها ضمن اللقاء الخماسي وفي طليعتهم السعودية بضرورة تسهيل انتخابه.
ويبدو واضحًا أنّ الطّامحين إلى الرّئاسة والمعترضين على خيارات فرنجية في البيئة المسيحية شعروا بأنّ التّأييد الفرنسي له يشكّل خطرًا على مصالحهم وحساباتهم، فكان هذا الهجوم الوقائي على باريس للجم اندفاعها نحو بنشعي.
وما رفع منسوب التّوتّر لدى الغاضبين على السّياسة الفرنسية قرار الأليزيه باستقبال فرنجية في باريس والاستماع منه إلى مقاربته للملفات التي سيواجهها في حال انتخابه، الأمر الذي اعتبره معارضوه إشارة إلى أنّ هناك زخمًا فرنسيًّا لتنشيط محاولة إيصاله وإعطائه قوة دفع إضافية.
ويستغرب مؤيّدون لفرنجية هذا الانقلاب من قبل البعض على الدور الفرنسي الذي يتعاملون معه على القطعة، فيمدحونه إذا كان يخدمهم ويهاجمونه إذا كان مغايرًا لطموحاتهم.
ويُشير داعمو فرنجية إلى أنّه بينما تتصالح السعودية وإيران وتتقارب الرياض ودمشق، لا يزال هؤلاء يغرّدون خارج السّرب الإقليمي ويقاربون الأمور من زوايا ضيقة متجاهلين دلالات التحولات في المنطقة وكأنهم لا يتعلمون من الدروس والتجارب.
ويعتبر مناصرو فرنجية أنّ المتضرّرين من زيارته الأخيرة إلى فرنسا فقدوا أعصابهم بعد استقباله في باريس لدرجة أن ردود أفعالهم تجاوزت بكثير حجم الزيارة.
ويلفت المتحمّسون لفرنجية إلى أنّ هناك قوى مسيحية تتعاطى مع معيار السيادة باستنسابية، فإذا أتى التدخل الدولي في الشأن الداخلي على قياسها لا تمانع بل تتماهى معه، وإذا أتى معاكسًا لما تريده يصبح انتهاكا للسّيادة الوطنيّة.
ويؤكّد المتمسّكون بخيار فرنجية أنّ نوعًا من بازل جديد يركب في المنطقة ولبنان يجب أن يكون جزءا منه عبر انتخاب فرنجية الذي يشكّل تقاطعًا بين أجزاء هذا البازل.

