هبة علّام – خاصّ الأفضل نيوز
48 عاماً على بداية النفق المظلم الذي لم نخرج منه كلبنانيين بعد.. أعوام مضت، وما زالت النفوس والعقول تعيش حالة حرب أثقلت بالدماء كرمى للأطماع السياسية والمصالح الضيقة والسيطرة الطائفية.
الحرب الأهلية اللبنانية، لم تكن مرحلة سوداء في تاريخ لبنان المعاصر، فحسب، بل كانت البداية لمستقبل مجهول، أسس له أمراء الحرب، ليحكموا خلاله فيما بعد، تلك الحقبة التي ما زالت تداعياتها تسيطر على كلِّ مفاصل الحياة في لبنان، سواء على مستوى إدارة الحكم أو حتى المستوى الاجتماعي، وما في النفوس من شرارات تقسيم وتفرقة وتنميط تظهر عند كلِّ مفترف في طريق الحياة السياسية.
"تنذكر وما تنعاد"، العبارة التي يرددها اللبنانيون في كلِّ عام بذكرى الحرب الأهلية، مرفقة بتمنيات استخلاص العبر، مع التأكيد على حقِّ كلِّ جهة بالدفاع عن نفسها، وقتها، وتبرير أسباب سفك الدماء والقتل على الهوية والتنكيل بالجثث. وما ذلك إلا محاولة لأدلجة المتلقي حول أحقية ما جرى بالرغم من فظاعته، ليبقى معبأ فكرياً وقلبياً وينقل ذلك إلى الجيل القادم، تحت شعار "المظلومية". لكن الهدف دائماً وأبداً، السيطرة على الشارع بخطاب طائفي، تقسيمي، فئوي، عنصري، ومناطقي، حتى يبقى كالنار تحت الرماد، ما إن احتاجه الزعيم أوقده لإشعال شارعه لغاية سياسية ومصلحة خاصة.
لكنَّ المفارقة هذه السنة، كانت بغياب الذكرى عن ألسنة الكثيرين، باستثناء بعض من تذكرها من خلال تغريدات أو منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي. فيبدو أنَّ هموم الحياة والظروف القاسية التي تمرُّ على اللبنانيين أنستهم ما اعتادوا عليه في هذه الذكرى. إلا أنَّ هذا لا يعني شيئاً، لأنَّ أجواء الاحتقان التي تظهر وتخترق الهدوء الحذر لحالة العيش المشترك تكاد تكون طاغية في معظم الأحيان، في بلد تكرست فيه الطائفية كأداة للحكم على قاعدة "الشراكة التوافقية" وما يحيطها من تآلف ووحدة وطنية وشعارات رنانة.
وكلُّ ما يحدث بين الحين والآخر، ليس إلا دليل دامغ على أن الحرب لا تزال قائمة لكن بأسلحة مختلفة ومتاريس مزروعة في قلوب الكثيرين. ولم تكن "حرب التوقيت" الأخيرة سوى معيار بسيط لاستعداد البعض إلى التقسيم وسفك الدماء ولو لأسباب تافهة، وجر الشارع إلى مواجهات مرحلية تشد العصب وترصّ الصفوف الطائفية، وصولاً إلى عودة الحديث عن حاجة البلد إلى نظام جديد فدرالي، تأسيسي، أياً يكن.
لبنان، بحاجة إلى نظام جديد، نعم! لكن بعيداً عن هذه "الطغمة الحاكمة" بما فيها معارضتها المتأصلة في الحكم أصلاً. فأمراء الحرب لا يملكون شجاعة الاعتذار حتى اليوم على ما ارتكبوا من قتل وتهجير، بل مستمرون بالاقتتال مستخدمين أسلحة جديدة، سائرون في طريق قتل اللبنانيين بطرق أكثر حداثة.. قتلوا الأجداد، واليوم يسرقون الأبناء، جنى أعمارهم، أحلامهم، مستقبلهم، يعطلون المؤسسات ويدمرون ما تبقى من هيكل الدولة الذي انهار بفعل فسادهم لعقود من الزمن.. وكل ذلك "لأجل الطائفة"، فيما اللبنانيون يطوفون في بحر لا مرسى له.

