هادي بو شعيا - خاصّ الأفضل نيوز
على نحوٍ متسارعٍ تلاحقت الأحداثُ في السّودان خلال الأيامِ القليلةِ الماضية، لتتكشّف تفاصيلُ أزمةٍ كبيرة داخل المكوّن العسكريّ يحذّر مراقبون من أنها قد تفتح الباب أمام حربٍ أهليةٍ لا تُبقي ولا تَذر.
تكمُن خطورةُ الأزمة في السّودان هذه المرة في أنّها ليست كسابقاتِها بين العسكريين والمدنيين، وإنما بين جناحَي السّلطة النافذة، وهما القوّات المسلحة السّودانية بقيادة رئيسِ مجلسِ السّيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان، وما تعرف بقوات الدّعم السريع بقيادة نائب رئيس مجلس السيادة محمد حمدان دقلو، المعروف باسم حميدتي، اللذَين كانا يمثّلان كيانًا واحدًا أمام القوى المدنيّة في المرحلة التي أعقبت الإطاحةَ بنظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير.
يُذكر أنّه منذ تأجيلِ التّوقيع على الاتفاق النهائي لتسوية الأزمة السياسية في البلاد مطلع الشهر الجاري، وبعد ذلك التأجيل مجدّدًا في 6 نيسان/أبريل بسبب الخلاف حول بند الإصلاحات الأمنيّة والعسكريّة وبروز الخلاف حول دمج قوّات الدّعم السّريع في القوات المسلّحة، بدا أنّ الأوضاع في السودان تتّجه نحو مزيدٍ من التعقيد.
يُرجِعُ خبراءٌ هذه الخلافاتِ إلى الشقاق السياسي والخلافات العميقة للقوى السّياسية السّودانية حول إدارة الفترة الانتقالية واستحقاقاتها، إضافةً إلى الهوّة الشاسعة بين الأطراف المختلفة التي "تتخندق" مع الجيش أو الدعم السريع، فضلاً عن طموح دقلو في تشكيل مستقبل السودان ولعب دور رئيسي فيه، مع اتجاه معاكس للجيش يسعى لتحجيمِ دورِ الدّعم السريع وإدماجِه في الجيش، وبالتالي التقليل من أي دور سياسي بارز مستقبلاً.
مما لا شك فيه أنّ الهدف العام الذي يسعى إليه السودانيون بمختلف أطيافِهم هو أن يصبح مجلس السيادة مدنيًا صرفًا، وتصبح الحكومة مدنية والبرلمان الذي سيُنتخب كذلك، وهذا لا يمكن تحقيقه مع وجود جيوشٍ متعدّدةٍ داخل البلد، فوجود أكثر من تشكيلة مسلّحة يمكنه في أي وقت أن يهدّد المسار الانتقالي السّلمي ومخرجاته، وبالتالي فهي مسألة تعارض الهدف الذي يتوخّاه الجميع. فالأصل أن تندمج هذه التّشكيلات المسلّحة كلها، وعلى رأسها قوات الدّعم السريع في أسلاك الجيش السوداني، وبعد ذلك يتمّ تسليم السّلطة للمدنيين.
فيما يبدو أن قائدَ قواتِ الدّعم السريع دقلو، ومن خلال متابعة تصريحاته وعلاقاته وتنقلاته الداخلية والخارجية له أهداف سياسية بدأت تتّضح ملامحُها يومًا بعد يوم، ويسعى بشكل لا لبس فيه لأن يكون جزءًا من المشهد السياسي السوداني ما بعد الفترة الانتقالية. وهذا لن يتمّ إلا ببقاء قوات الدّعم السريع تشكيلة مسلّحة خارج منظومة الجيش، وذاك ما يعني تمتّعها باستقلالية تامة في التسليح والقيادة والتّحرك والانتشار والتمويل، على الأقل إلى حدود عشر سنوات قادمة. وهذا ما ظلت القوات المسلحة السودانية، وحلفاؤها في الخريطة السياسية المدنيّة تعارضُه بشدّة، وتسعى إلى عدم حدوثه.
وقد تطوّرت الأمور بشكلٍ متسارعٍ مؤخرًا، فقام حميدتي بحشد قواته داخل العاصمة، الخرطوم، والانتشار في نقاط إستراتيجية بالغة الحساسية في الأيام الأخيرة. وهذه الحركة التي قامت بها قوات الدّعم السريع اعتبرها الجيش السوداني استفزازًا لا يمكن السكوت عنه، بل إن ما قامت به هذه القوات أقرب إلى التّمرد منه إلى أي شيء آخر، ويمكن وصفه بمحاولة انقلابية، خصوصًا أن قوات الدّعم السّريع توجهت في انتشارها إلى القصر الرئاسي والقيادة العامّة والمطار الدولي للخرطوم. وهذا يعني أن الوضع الأمني في السودان وصل إلى حالة من الاحتقان لم يبقَ أمامه سوى الاشتباكات التي عرفتها الخرطوم وغيرها من مناطق السودان منذ صبيحة أول من أمس السبت 15 أبريل/نيسان الجاري.
تُشير التقديرات إلى أنّ الصراع الحالي، وما عرفه من اشتباكٍ مسلح اليوم، لن ينتهي إلا بتصفية قوات الدّعم السريع أو على الأقل التّغلب عليها بشكل يسمح بأن يُفرض عليها أو على بعضها الإدماج في القوات المسلّحة. ولا شك أن هذه العملية قد تطول، وربما لا تكون سهلة بالنسبة للجيش السوداني، الذي قد يواجه قتالًا داخل المدن، وما ينجُمُ عنه من تعرّض أرواح المدنيين وممتلكاتهم للخطر.
في المحصّلة، من المتوقّع أن يمضي الجيش السوداني بهذه المعركة التي بدأت مع قوات الدعم السريع حتى النهاية لحسمها، ما سيفتح المجال أمام جميع التّشكيلات المسلّحة الأخرى للاندماج طوعًا أو كرهًا في الجيش السوداني بُغية تمهيد الطريق أمام حكومة سودانية مدنية، قد لا تجد أمامها عراقيلَ تحُول دون انسجامها وعملها بهدف التّصدي للعقبات التّنموية التي تواجهها أي حكومة لدولة تمزّقت أوصالها بين شمال وجنوب.

