هبة علّام - الأفضل نيوز
يبدو أنّ السّلطة بكلّ مكوّناتها اعتادت ترحيل الملفّات وتأجيل الاستحقاقات والعبور على جثّة الدستور بلا "حُرمة"، كما اعتادت على سلب حقّ المواطنين في الاختيار والمحاسبة.
وعشيّة الجلسة التشريعيّة المُزمع عقدها غداً، وعلى جدول أعمالها بند التّمديد للمجالس البلديّة والاختياريّة، وبالتالي تأجيل الانتخابات البلديّة لفترة تترواح بين الـ 4 أشهر إلى سنة، تُرحّل السّلطة استحقاقاً دستورياً جديداً إلى ما شاء الله، وتُدخل مؤسّسات عامة إضافيّة آتون الفراغ.
بعد المُماطلة لأشهر، والإنشغال في حرب شرعيّة جلسات المجلس النيابي والجلسات الحكومية، لم تُحلّ كلّ المعوّقات التي يتذرّع بها المطالبون بتأجيل الانتخابات، وهم الأغلبيّة، ولو أنّهم يجاهرون بضرورة إجرائها والجهوزيّة لخوضها. تلك المعوّقات التي تبدأ بأهم عامل وهو الاعتمادات الماليّة اللّازمة، وتنتقل إلى المشاكل اللوجيستية والبشريّة والتّقنيّة.
وهنا لا بدّ من التّذكير بإضراب الأساتذة والموظّفين العامّين، وسط إقفال للإدارات الرّسميّة، لاسيما دوائر النّفوس ما يحول دون تمكّن المواطنين من الاستحصال على إخراجات قيدهم، إضافة إلى فترة تقديم التّرشيحات التي باتت على مشارف الإقفال فيما لم يُسمع حتّى اليوم عن أيّ ترشيحات أو اجتماعات تنسيقيّة مع المحافظين والقائمقامين.
كلّ ذلك، لم تتنبّه له السّلطة، لتجد له حلولاً مناسبة حتّى تتمكّن من إتمام الإصلاحات عن سابق إصرار وتصميم، لاسيما وأنّ المسألة المالية سهلة التطبيق، في ظلّ وجود أبواب عدّة لتغطية النفقات، منها التي تأتي بدعم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وحقوق السّحب الخاصّة التي حُوّلت إلى لبنان من صندوق النقد الدولي، وقد لجأت إليها الحكومة سابقاً لتغطية نفقات القمح والفيول والدواء.
وبالرغم من ذلك، يبدو أنّ الاتجاه نحو التّمديد والتّأجيل بات أمراً واقعاً مع اقتراب انتهاء المهل التّحضيريّة، فيما الاستحقاق يبدأ بعد حوالي 3 أسابيع، وحتّى لو أقرّت الحكومة في جلستها غداً التّمويل اللّازم.
لكن، إن حصل التمديد للمجالس البلدية، فإنّ الأمر سيكون قابلاً للطّعن أمام المجلس الدستوري لأكثر من سبب، وهو ما اتفق عليه أغلب الخبراء الدستوريين.
وبعيداً عن مسألة دستورية التشريع في ظلّ مجلس يُعتبر هيئة ناخبة وما يدور حولها من خلاف في الرأي القانوني، يُؤكّد الخبير الدستوري الدكتور جهاد اسماعيل أنّ التمديد للمجالس البلديّة، ولو بموجب قانون، غير دستوريّ، ويشرح في حديث لموقع "الأفضل نيوز"، الأسباب الموجبة لهذا الرأي على الشّكل التّالي:
1- الانتخاب أو الاقتراع حقٌّ دستوريّ ينبثق عن الحقوق المعنيّة للمواطنين في الفقرة "ج" من مقدمة الدستور، وكذلك المادة السابعة منه، ويتفرّع عنه مبدأ دستوريّ آخر وهو مبدأ دوريّة الانتخاب المكرّس في المادة 25 من الاتفاقية الدولية للحقوق المدنية والسياسية الصادرة عن الأمم المتحدة، والتي انضم إليها لبنان عام 1972، ما يعني أن أيّ تمديد للولاية البلدية هو خرقٌ للقواعد الدستورية وسائر المبادئ ذات القيمة الدستوريّة.
2 - تؤكّد الفقرة "د" من مقدمة الدستور أنّ الشّعب مصدر السّلطات، وهذا التأكيد، في طبيعة الحال، جاء على إطلاقه، ليشمل السلطات المركزية واللامركزية، الأمر الّذي يمنع السلطة التشريعيّة من تعديل مدة الوكالة الانتخابية إلّا لأسباب مستمدّة من ضرورات قصوى تقتضيها نظرية الظروف الاستثنائية، وهذه النظرية غير متوافرة في الواقع الراهن، لأن تحقّقها يفترض وقوع شرطين:
- تحقق الظرف الاستثنائي ( أيّ أن يكون الوضع غير طبيعي ومستقل تماماً عن إرادة السلطة المعنيّة).
- أن يتعيّن على السلطة المختصّة أن تعجز بوسائلها العادية عن مواجهة هذه الظروف بحيث لا يتوافر لها إمكانية إلّا بما قامت به، في حين أن السلطات المختصّة تمتنع بإرادتها عن تمويل الانتخابات وتوفير الظروف المناسبة لها اللوجستية والتقنية.
3- الولاية القانونية للمجالس البلدية، وأصول إجراء الانتخابات، جرى تحديدهما في المواد 10، 14، 15 من قانون البلديات، وبالتالي أيّ تمديد أو تأجيل هو التفاف على هذه المواد واستطراداً على مبدأ الاستقرار التشريعي الّذي يتعيّن على السلطة التشريعية التقيّد به قدر الإمكان.
وفي سياق متّصل، أشار اسماعيل إلى أن هناك 132 بلدية منحلّة في لبنان، ويتولى المحافظون أعمالها وصلاحياتها وفق الفقرة الثانية من المادة 24 من قانون البلديات، إلّا أن المادة نفسها تُلزم وزارة الداخلية، وتالياً الحكومة، أن تجري الانتخابات خلال مهلة شهرين تلي صدور قرار الحل، وهذا ما لم يحدث، علاوة على أن إقرار قانون التمديد للمجالس البلدية، يعني السماح لـ 132 بلدية بالبقاء منحلّة، وهذا يهدم اللّامركزيّة الإداريّة.

