عماد مرمل - خاص الأفضل نيوز
عادَت سوريا في الشّكل البروتوكولي إلى الجامعة العربية، لكن في المضمون السّياسي يبدو واضحًا أنّ العرب هم الذين عادوا إليها.
ويؤكّد المواكبون لهذا الملف أنه وخلافًا لما يروّجه البعض، فإن دمشق لم تدفع أي ثمن سياسيّ مقابل استعادة مقعدها "المهجور" في الجامعة، بل إن العرب قبلوها كما هي، في خياراتها وتموضعها.
وبهذا المعنى، يجزم هؤلاء أنّ ما لم تخسره دمشق في الحرب لن تخسره في السّلم، وما لم يُؤخذ منها بالقوة لن تعطيه طوعًا بعد انتصارها. وبناء عليه، لا تبريد لتحالفها الاستراتيجي مع إيران ولا تعديل لموقعها الحيوي في محور المقاومة.
وما يؤكّد هذه الحقيقة أمران، الأول عودة حركة حماس إلى دمشق بعد قطيعة وهي إحدى ركائز المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال الإسرائيلي، والثاني زيارة الرئيس الإيراني السيد ابراهيم رئيسي إلى سوريا وعقده اتفاقيات استراتيجية مع قيادتها في مجالات حيويّة عدّة، عشيّة صدور قرار استعادة دمشق مكانها الطبيعي في صفوف الجامعة العربية.
هاتان العلامتان الفارقتان والغنيّتان بالدّلالات تؤشّران إلى أنّ دمشق ثابتة على سياساتها وتحالفاتها، وليست في صدد إجراء أي مقايضة سياسية مقابل أن تستعيد المقعد الذي "صودر" منها.
لكن هذا لا يمنع أن تكون سوريا منفتحة على التعاون مع الدول العربية ومعالجة هواجسها المشروعة، وتحديدًا في ما خصّ مكافحة تهريب الكبتاغون، كما يؤكد العارفون. كذلك، تأمل سوريا من جهة أخرى في أن تشكل المرحلة الجديدة من العلاقات مع العرب مدخلًا إلى مساهمتهم في إعادة إعمار ما خرّبته الحرب.
أما بالنسبة إلى الجامعة العربية في حدّ ذاتها، فإن العودة إليها تكتسب طابعًا رمزيًّا أكثر من أي شيء آخر، أي أنها ترمز إلى انتصار الرئيس بشار الأسد في الحرب التي شُنّت عليه وعلى بلاده، وتمثل إقرارًا من قبل العرب بهذه الحقيقة بعد محاولات بعضهم المكابرة والهروب من الاعتراف بها.
خارج هذا الإطار، من المعروف أن الجامعة ليست سوى هيكل خارجي بلا محتوى حقيقي، وأنها متخصّصة فقط في إصدار البيانات والتقاط الصور التذكارية، من دون أن تكون لها أي قدرة أو فعالية.
ومن هنا، فإن الرئيس الأسد كان مهتمًّا باستئناف العلاقات الثنائية بين سوريا وبعض الدول العربية أكثر من اهتمامه باستعادة مقعد الجامعة، لمعرفته بأن تنشيط المسارات المباشرة هو أجدى على صعيد خدمة المصالح المشتركة.
ويعتبر القريبون من دمشق أن العرب احتكموا في نهاية المطاف إلى الواقعية السياسيّة، وأدركوا أن الأسد انتصر في الحرب ولم يعد هناك من مجال للاستمرار في الإنكار. وترافق ذلك مع اقتناع حلفاء أميركا في المنطقة بأنه يجب التخفيف من الاتكال عليها والكف عن وضع كلّ الأوراق في سلّتها المثقوبة، خصوصًا بعد ثبوت إخفاقها في عدد من الساحات، وهذا ما يفسّر قرار السعودية بالتمايز عنها في عدد من الملفات، وصولًا إلى توقيع اتفاق مصالحة وتعاون مع إيران برعاية الصين.
ومن الواضح، أن التفاهم السعودي - الإيراني شكّل بيئة ملائمة للتقارب السوري - السعودي الذي أعطى قوة دفع للمصالحة العربية مع دمشق، وإن يكن هناك من يظن بأن الرياض تتطلع كذلك إلى نوع من التوازن مع الدور الإيراني في سوريا.

