ممتاز سليمان - خاصّ الأفضل نيوز
محظوظون حتمًا نحن الجيل أبناء الثّمانينات من القرن الماضي، حيث بدأ مع تشكّل وعيِنا وإدراكنا وثقافتنا زمنٌ جديدٌ لم يعهده آباؤنا وحتّى أجدادنا.
فالقرن العشرون من بداياته شهد انكسارات وهزائم واحتلالات ونكبات ونكسات أدخلت اليأس والقنوط على مدى عقود في نفوس العرب عامة.
فمن الاحتلال الفرنسي إلى احتلال الكيان الإسرائيلي المصطنع الذي جثمَ على صدر الأمّة منذ أواخر الأربعينات ونحن نعيش دوامة اليأس من حروب وتهجير واحتلال آراض وتدنيس مقدّسات حتّى رضيت الأغلبيّة بالأمر الواقع مُوقنة أنّ لا مجال للنّهوض والمبادرة.
ولعلّ خمسينات القرن الماضي شهدت ومضَة أملٍ وبارقة عزّة وكرامة تمثّلت بالقائد جمال عبد الناصر الذي التفّت حوله الأمة بأكملها من المحيط إلى الخليج، لأنّها وجدت فيه مثالًا لآمالها وتطلّعاتها للتّحرّر والتّحرير والاعتماد على الذّات، فأيّده الملايين من الناس في ظاهرة قلّما شهدها التاريخ الحديث مُتخطّيًا الحدود والحواجز والدول.
هذه الظّاهرة سرعان ما أرقت الغرب المُستعمر الذي رأى فيها صحوة تهدّد مصالحه وتطرده من أرض العروبة الغنيّة بالثّروات، فكان لا بدّ من إزاحته بمساعدة عملاء الداخل، وهذا ما حصل حيث تُوفّي في ظروف غامضة.
عاد الغرب وربيبته إسرائيل ليفرض السيطرة مجدّدًا على بلادنا العربية بمؤازرة حكّام مطواعين همّهم الأوحد الحفاظ على كراسي حكمهم وتقاسم مقدرات بلادهم مع مشغّليهم.
هذا الواقع عاد ليُحبط الجماهير العربية التي هالها أن ترى الكيان الغاصب ذو الخمسة ملايين مستوطن يتفوقون على 300 مليون عربي مع جيوش مجهّزة فقط لمراقبة الشعوب وقمعها.
لبنان كغيره من البلاد المُتاخمة لفلسطين المحتلة دفع أغلى الأثمان بمواجهة العدو الغاشم الذي كان يعيثُ حربًا وتخريبًا كلّما سوّلت له نفسه الدّنيئة التّعدّي حتّى احتلّ العاصمة بيروت قبل أن ينسحب منها إلى الجنوب خالقًا حزامًا أمنيًّا من خلال احتلال عشرات القرى الجنوبية.
إزاء هذا الواقع بدأت أولى بذرات المقاومة من قبل شبّان القرى المحتلة الذين تسلّحوا بالإيمان بالله وحبّ الوطن وعدم الرضوخ لسلطة المحتل، فبدأوا بمقارعته في مختلف القرى والبلدات وفي الأودية والجبال مُلحقين به أشدّ الأضرار، مسطّرين ملاحم في البطولة قلّما وجد العالم لها نظيرًا بمواجهة أعتى آلة حربية مدجّجة بأحدث الأسلحة والطيران.
ثمّ ما لبثت هذه المقاومة أن توسّعت وكبرت نتيجة أحقّية القضيّة لتستنزف العدو في عدّة حروب وتجعله يعيش حالة من عدم التّوازن والقلق الدائم حدَت به إلى الانسحاب خاسئًا من الجنوب، حيث كان أول أرض عربية ينسحب منها العدو تحت تأثير الهزيمة.
منذ ذلك الوقت وخلال تلك السّنوات أُعيدت للعرب كرامتهم وتمرّغ أنف العدو بالتّراب، ودخلنا عصر توازن الرّعب والحرب.
الخامس والعشرون من أيار كان تاريخ انتصار الدّم على السّيف، وكان تاريخ انتصار العين على المخرز لأنّها عين الحقّ وعين الله التي كسرت مخرز الظّلم والاحتلال، الذي مصيره الزّوال حتمًا من أغلى البلاد... فلسطين.

